طاحونة العمل واستلاب سكينة المرأة.

1 فبراير، 2021

في بعض الأيام، أجد من الصعب أن أكون أما غير موجودة في المنزل. لكن، أحاول أن أنجح في عملي رغم أني أشعر بحزن كبير عندما يمسك أطفالي بساقي بينما أغادر المنزل إلى العمل“.

روزي بوب

الرأسمالية هدفها الأيدي العاملة، لا استقرار الأسرة وسعادتها، وتفكيكها ليس بالأمر المقلق لها، بقدر ما هو وسيلة من وسائلها لاستمرار تدفق الأيدي بلا رحمة.

وهذا ما جعل كثير من الأسر حول العالم، تنشد الراحة والاستقرار ولا تجدها في الأنماط المنعكسة لمثل هذا النظام الذي يخدم أهدافه.

أول مراحل التحول في عمل المرأة الغربية كان خلف الثورة الصناعية والتي كانت سببها هجرة الرجال للمدن، فكانت هي اليد البديلة عنه في الأرياف.

لم يكن الأمر مثير للبهجة، بل كان سبب تعاستها وزيادة الأعباء، ولم يكن عملها اختيارا بكامل رغبتها بل إلزاما لتخلي الرجل عن مكانه ومسؤولياته.

أما مفهوم عمل المرأة فتشكل عند إضراب عمال المصانع بسبب طول مدة العمل، فما كان من أربابه إلا إحلال المرأة لتسد فراغ نقص العمال لإنقاذ المصانع من الخسارة.

من هنا فتحت الرأسمالية قيود العمل التي كانت مقتصرة على الرجل، ولم تراعي مصالح المرأة في الأعمال الجديدة ولا اختلاف جنسها عنه وما يستلزم ذلك من فوارق تتطلب مراعاة كبيرة.

فالتاريخ العمالي الغربي يؤكد بأنها كانت الخيار الثاني عند ضعف الانتفاع من الخيار الأول (الرجل)، ودخولها لم يكن إلا رهينة مرحلة ضغط وضعف وظروف، ولم تخرج من أجل رفاهيتها المعيشية بل من أجل أن تكلف نفسها طاقة غياب، وتكون المنتج القوي في سوق لا ترى سوى المادة.

ظهرت بعد ذلك الكثير من الوظائف والتي مهمتها امتهان هذه المرأة لأقصى حد، واستغلال جسدها وأنوثتها لترويج أي سلعة .. ولم يكن العالم الغربي على رضى بهذا التحول السريع، وكان لهذا التحول ردة فعل من الكثبر منهم ..

إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة، وأظهر الاختبار أن المرأة تتمرد على تقاليد الأخلاق المألوفة، وتأبى أن تظل وفية  لزوجها إذا تحررت اقتصاديا“.

برتراند رسل

إن السبب الحقيقي في جميع مفاسد أوروبا وفي انحلالها بهذه السرعة هو إهمال النساء للشؤون العائلية المنـزلية، ومزاولتهن الوظائف والأعمال اللائقة بالرجال في المصانع والمعامل والمكاتب جنبا إلى جنب“.

سوليفان

لأن تشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاءً من اشتغالهن بالمعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء.. نعم إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلا للرذائل بكثرة مخالطة الرجال، فما لنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها“.

أنى رورد

في الشرق تنام المرأة وتحلم، وتحقق ما تريد ؛ فالرجل قد وفر لها خبزا، وحُبّا وراحة ورفاهية.
وفي بلادنا حيث ناضلت المرأة من أجل المساواة، فماذا حققت؟!”.

كريستين

إن النظام الذي يقضي بتشغيل المرأة في المعامل، مهما نشأ عنه من الثروة، فإن نتيجته هادمة لبناء الحياة المنزلية، لأنه يهاجم هيكل المنزل، ويقوض أركان الأسرة، ويمزق الروابط الاجتماعية“.

سامويل سمايلس

هناك قانون يجب الاعتراف به، وهو أن حدود الطاقة الإنسانية تتفاوت بحسب العمر والجنس والهبة الربانية، وأنه بقدر أخذ حيز من هذه الطاقة في جانب ما، سيتم فقدان الكثير منها في جوانب أخرى، فالمرأة لن تكون خارقة في سد تجاويف احتياجها في جوانب عدة في وقت واحد، وإن كانت قادرة على التغطية فسيكون مع التضحية بجزء كبير من الجودة، فمن تتقن وظيفتها ستخسر من وقتها ونشاطها مع أسرتها ولابد.

وهذا الحيز الآمن الذي تم استلابه من الأسر، كان في أن تخرج المرأة لتحقق ذاتها في أماكن ليست لها، وتنسى المكان الحقيقي لتحقيق الذات، في أن تكون أمًا بما تعنيه الكلمة .. فلا يوجد عمل هو أشرف للمرأة من تكون المدبرة لمنزلها، المسؤولة عن رعاية من فيه والاهتمام بهم.

وهذا بالضبط ما تم سرقته من الغربية، شعور السكينة والراحة، والأمان، ومعرفة الغاية، والإحساس بالانتماء، واستفراغ الجهد العقلي والنفسي في محله.

فمع ظهور موضة العمل في الفترة الأخيرة، والشعور بضياع البوصلة في حال غيابه، خرج عمل المرأة من الوسيلة إلى الغاية، فهي في هذا الوقت تشعر باضطراب فقدان الهدف إذا لم تخرج من منزلها، بل لا ترى مشوار التعليم ذا قيمة إلا إذا ارتبط بمهنة تدر عليها المال وتعطيها الإحساس بالأهمية، وإذا تغافلت المرأة عن هذه الأحاسيس رمقتها نظرة ازدراء مجتمعية، هل من المعقول أن تقضين معظم وقتك في منزلك؟!. ألا يوجد لديك وظيفة ما .. تحقق أحلامك؟!.

زعزعة ثبات الأنثى بمعايير مادية، جعلت منها تحتقر كل ما يرتبط بحقيقة أن تغذية روحها وعقلها أهم من تعبئة جيبها، وأنا الحياة لا تتعلق بوظيفة تمتص كل حيويتها وتبقيها كالجثة الهامدة عند دخولها المنزل.

هذا السباق المحموم على المظاهر والشكليات أول ضحاياه هم من شارك فيه، فهي الآن تحت سكرة الأعمال بصورها المتعددة، ولكنها غدًا ستصحوا وقد تكون صحوتها متأخرة، وسترى كالغربية أن هناك شعور ناقص وسط ركام هذا السعي .. وأن طبيعة الأشياء وصلاحها يتطلب استراتيجة ما إذا تم خرقها تم تشويهها.

هذا السرد لا ينفي وجود الأسر المحتاجة، التي تعمل نسائها لسد حاجتها حقا، وهؤلاء هن ضحايا تفريط رجل، أو نتيجة ظروف، ومستوى مادي، جعلهن في حالة بحث عن الاستقرار والأمان، وإلا فالقاعدة الأساسية أن عمل المرأة إذا لم يكن لحاجتها، فهو لاستنزافها من أجل رغبات كمالية، استهلاكية .. لا ولن تنتهي.