صخب المدينة.

2 فبراير، 2021

تحدق في النافذة، كأنها تنتظر خبر ينتشلها من سكون الغرفة، أو ريح تحرك الأوراق التي تنظر إليها فيطير معها صمت التفكير والتحديق ..

شيء ما يقول لها لفي وشاحك عليك جيدا واخرجي لعل السير ليلا يشتت عقلك، وآخر يتشبث بها لأن تبقى في هذا السكون الشاحب.

قلبها يرف مع كل دقة من دقات عقارب الساعة، وفي النظر لعينيهالأول وهلةيتبادر لذهنك أنها نائمة بعينين مفتوحتين.

اعتادت صمت القرى، والإنصات لنبضات الطرق الثقيلة، وفي اعتيادها حياة أخرى هامشية روتينها هذه طقوسي، وليست طقوس القرية فحسب.

حينما ينغزها الصوت في أذنها اليمنى تعرف أنه لن يكون إلا ورقة هزتها رياح، أو عصفور هزه طرب، أو السخانة وهي تسخن الماء، أو إبريق شاي، أو ولدها الوحيد عائد ليتكلم بخفة وشوق.

كل يوم هو فرصة بالنسبة لها للتفكير من جديد في أحوال أهالي القرية وغزل الصوف للمحتاج، أو البحث عن حل لمن وقع في فخاخ المشاكل.

منحها الصمت سكينة يلفها شموخ القرى ووحدتها، فتراها من بعيد كجبل شامخ، وما أن تقترب حتى تكتشف أنها شجرة عتيقة، عريقة.

في هذا التأني والخشوع الذي يميزها، قصص محبوكة بسواد الليل وتجاعيد مظلمة تكشفها أول إشراقة للشمس وتشي عن تفاصيلها.

وهي تعرف الصباح كما يعرفها وتدل فيه الحياة باعتياديتها وتجددها كل يوم.

كم خيطت بأناملها وهي تتمتم بكلمات هادئة تعبر عن امتنانها لكل ما في الكون والكوخ، وتشكر الوهاب على كل هبة، أحيانا بشكل مفصل وأخرى مُجمل.

لا يتفوق على تركيزها إلا من يمتلك قدرة خارقةغير موجودةفي رؤية ذرات الهواء والماء، لأنها في هذا الجو تجيد التأمل مع امتلاكها لذاكرة صلبة، فتلتقط ببصرها وتسجل في عقلها وتؤرشف ما سجلت حتى لتتذكر من شاهدته لمرة واحدة ولو لأكثر من سنة.

لا يشبهها الخريف ولا الشتاء هي صيفية سمراء اخشوشنت مع تدفق الحياة المشتعل بين يديها، واعتمادها المستمر على قدميها دون أدنى معين.

حينما تتخيل ولو لخيال أن مثلها سوف يعيش في مدينة من مدن اليوم يضطرب وجدانك ويهتز وتشعر بوخز في ضميرك رغم أنك لم تتسبب في نقلها حتى فيه، ولكن لشدة جنون الفكرة تكترث لها كواقع شديد المرارة.

كم لوثت المدن بصخبها سكينتنا الأولى ودمرت هذا الخشوع وسرقت أجمل لحظاتنا الهادئة المرحة والبعيدة عن ضوضاء المترفين، المدللين.

فقدنا هذه الروح التي تكترث لكل شيء وتعيش كأنها تمسك ذرات الغبار المتطايرة وتعدها عدا، غاب الفرح القديم واللذة الشعبية البسيطة، مع أعاصير المدنية الغربية العاتية التي تقتلع كل ما يقف في وجهها حتى لو لم يكن معارضا بل يريد منها أن تكون -فقط-أبطأ.

هل تعرف المدينة، معاني القرى وتمتمات الشكر الناعمة في أفواههم وتناغمهم مع كل شيء في هذه الطبيعة الخصبة كقلوبهم؟!

هل تعرف أننا كلما تقدمنا هنا أكثر شعرنا بقوة التعقيد لا راحة التقريب والتسهيل، وأننا نعاني من أمراض قد يكون أكثرها من جراء الصخب؟!.