عقلنة الرغبات.

2 فبراير، 2021

العقلاني هو ما كان مستند للتفكير العميق أو مرتكز على العقل، والتعقل أو العقلنة تفكر وتدبر وفهم للأمر على حقيقته. ويبدو لي أن العقلنة تتميز عن التعقل بأنها صنعة دائمة أو مستمرة أما هو فحالة تعتمد على واقع ظرفي، لذلك كانت أقرب لأن تكون عنوان الحديث هنا. فعقلنة الرغبات تستمد قوتها بأنها رغبات مدعومة بالعقل، ومصنوعة به لذلك تستفرد بقوة أكبر عن الرغبات الشخصية العاطفية التي تصطبغ بمزاج الإنسان الذي خرجت منه، فهي رغبات مقنعة بالعقل تجابه به كحجة وجود لها وامتياز.

الرغبات تكون بإرادة الأخذ وتمنيه وطلب الاحتفاظ أو الحيازة وحينما تكون على شقها العقلي فقد تطوعه بحسب قوة دفعها النفسي، فتخرج معقلنة لا عقلية فعلا، ولو كانت عقلية بادعاء فهي على العقل الذي خرجت منه وهو المزاج المتأثر برغبة صاحبه فيبحث له عن غطاء لايجده حتى يُكسبه شرف العقل الذي لا يأتي إلا بقوة التفكير ومنطقية الحجج فيسند الرغبات إلى أساسها من الأهواء المتذاكية.

هذا العصر عقلي بامتياز ولا أعني بذلك العقل على معناه المتعارف عليه في معاجم اللغة إنما التفكير الحر المعقلن كفارق أنه جاء ممايز للرغبات، فتنتهك الحواجز الفكرية المقبولة حتى يتم النقض على البديهيات الفكرية بحجة إعادة البناء السليم، فتأتي النتائج محملة بإسقاطات شعورية قد تكون وليدة لحظتها وزمنها لا أكثر. لذلك اتساع الدائرة الفكرية وانفجارها بهذا الشكل بلاء على هذا الإنسان المفكر وجحيم اختاره ليبرز تفوقه وانتصاره على الماضي.

الرغبات ترتبط ارتباطا وثيقا بالأهواء وهذا باجتماع الهوى مع الرغبة في الميل تجاه ما يريده ذلك الإنسان من خير أو شر باستثناء أن الرغبات تأتي بشكل متجدد وعلى صورة استفرادية، مقتصرة، أما الأهواء فأكثر تغلغلا فهي تنصب على الميل الكلي وإن تفرعت عنه ميول عدة، فكأن الهوى ميل ورغبة متجددة ولكن بشكل أكثر قوة ورسوخا، تاركة الانطباع بشدة لصوقها باختيارات الإنسان لأنها جزء من نفسه وفكره، فغالبا ما تأتيبهواه،ما يهوى،يتبع الهوى“…

لهذا ركز الشرع على مادة (الهوى)، فاتباع الهوى المذموم قد يكون في الشبهات أو في الشهوات. فهوى الشبهة قد يصل بصاحبه إلىالابتداع في الدين. يقول ابن رجبرحمه الله :وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء“. ويقول الشاطبيرحمه الله :ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيهامن وراء ذلك“. وقال شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله :واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله}..”

فالهوى ميل ونزوع للأهواء والرغبات النفسية بغض النظر عن الدافع الرئيسي خلف محبتها، فقد يهوى الإنسان أمرا ظانا به نجاته أوسعادته الأبدية أو أنه الحق الذي كان مغيبا عنه ومع ظنه الذي ينافح عنه تختبئ رغبته التي يتهم من خالفها بمخالفة العقل السليم.

ولا عجب من حرص النبي على التنبيه عنه بصور متكررة، يقول :إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى“.”ثلاث منجيات : خشية الله تعالى في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى ، وثلاث مهلكات : هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه“. “أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه“.

كما أن كثير من السلف ذَّكر بآفة الهوى. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : طول الأمل، واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق“. وقال أبو عثمان النيسابوري :من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله يقول : وإن تطيعوه تهتدوا“. وقالسفيان الثوري :أشجع الناس أشدهم من الهوى امتناعا“. وقال بعض العباد :أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا واستصعب قيادُه على الهوى“. وقال معاوية :المروءة ترك اللذة وعصيان الهوى“.

يأتي الحديث عن عقلنة الرغبات لسرعة تبدل الموقف تجاه المحظور لمُختار قد يكون مستعجلا، وقد يكون تقديمه بلا كثير تبصر، لمجرد شعور دافع، شعور آني يحوله من رغبة إلى مبدأ.

بعض التبني وليد حاجات نفسية غير مشبعة، تقف أهمية تحقيقها من أجل نمو نفسي، وفي حال فقدان بعض منها، يأتي إلحاح الرغبة في الوصول حتى لو بطرق ملتوية، تتجاوز خطوط الفكر مدعية العقلانية في ذلك.

وهذا سبب تصادم كثير من الناس مع الشرع، أنهم في صدد بحثهم توافق الدنيوي مع الإيماني خلقوا حاجات مشرعنة، وتم تثبيتها بمحاذاة النص، بل وتم رؤية النص بمنظارها.

الرؤية النفسية للمعايير والقياس النفسي، يحدث فوضى أخلاقية، فالعقول لا تتطابق والحاجات تتفرع وقد تنحرف وتطغى، بل ما كان حاجة طبيعية ربما يتحول مع الوقت إلى حاجة منحرفة، وهذا يشد توازن الحاجات لتختل أنها  تخرج من قالب الشرع المتوافق مع العقل إلى جانب العقل المخالف للشرع والفطرة معا، خاصة إذا تم فتح المجال لها، دون تطويق وتقييد.

يتكرر الحديث حولكنت أرىوأصبحت لا أرى ذلكوغالبا ما يظن أصحابها التطور في آلة الفهم للوجود البشري، والتعمق في الفهم الإيماني، إلا أن الصحيح أن المتغير الوحيد هو هوى النفس ورغبتها بين القديم والحديث، فقد كانت في تقبل واحتياج له وتحت تأثير محيط معين تخشى من نبذه لو تمت مخالفته، ثم انتقلت إلى نمط شعوري آخر مع هوى مستحدث وانتماء مختلف.

القيم الفكرية السليمة يميزها الثبات والرصانة، ترتبط بالعقل المبصر، والفطرة السوية، أما الأهواء فهي لا تعرف استقرارها، فلصوقها بالنفس يجعل منها تتبدل مع كل عارض يصيبه، لهذا كانت الأهواء للطيش والنزوغ، والعقل للثبات والبقاء، فكل عقلي لا يتغير، ولتوافق الشريعة والعقل على أتم صوابه، كانت ثابتة ليس على أزمنة طويلة فحسب بل على ثقافات لا تتشابه.

حينما يُطلق العقل في الشرع فهو ينصرف على معاني منها الغريزة التي في الإنسان، وعلى العلوم الضرورية التي تشمل جميع العقلاء، والأعمال التي تكون بموجب العلم.

والخلق في تفاوت فيه، بل أن هذا التفاوت جانب فيه غريزي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:الصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد وأصح الروايتين عنه وقول أكثر أصحابه أن العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان“. فلخضوعه للأهواء وقبوله للتأثر والزيادة والنقصان لم يوكل اللهلأجل ذلكإليه مهمة تنظيم شؤون البشر على قوانين منبعها بشري، بل كانت بما يتفق مع البشر ويصلحهم، ولذلك لا يعارض العقل الصريح النقل الصحيح أبدا .. يقول شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله :ليس في المعقول الصريح ما يمكن أن يكون مقدما على ما جاءت به الرسل وذلك لأن الآيات والبراهين دالة على صدق الرسلوأنهم لا يقولون على الله إلا الحق وأنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الخبر والطلب لا يجوز أن يستقر في خبرهم عن الله شيءمن الخطأ كما اتفق على ذلك جميع المقرين بالرسل من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، فوجب أن جميع ما يخبر به الرسول عن الله صدق وحق لا يجوز أن يكون في ذلك شيء مناقض لدليل عقلي ولا سمعي فمتى علم المؤمن بالرسول أنه أخبر بشيء من ذلك جزم جزما قاطعا أنه حق وأنه لا يجوز أن يكون في الباطن بخلاف ما أخبر به وأنه يمتنع أن يعارضه دليل قطعي ولا عقلي ولا سمعي وأن كل ما ظن أنه عارضه من ذلك فإنما هو حجج داحضة وشبه من جنس شبه السوفسطائية، وإذا كان العقل العالم بصدق الرسول قد شهد له بذلك وأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل صحيح كان هذا العقل شاهدا بأن كل ما خالف خبر الرسول فهو باطل فيكون هذا العقل والسمع جميعا شهدا ببطلان العقل المخالف للسمع“.

فالإسلام لا يقلل من مكانة العقل، فهو مناط التكليف، والثواب والعقاب، ولكن لا يجعل العقل يتقدم على الشرع.{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين}. وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب (أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه).

أعود للبدء إلى عقلنة الرغبات، يوجد من يسبك ميوله ويوقع أسفلها بأن هذا ما أملاه العقل، وهو يريد بذلك أنه لن يتم الرد على المذكور منه بصفته جاء من جانب العقل المقدس، إلا أن العقل لا يتقدس بالفكرة وحدها بل بإصابتها للحق، لأن الحق هو المقدس، سواء خرج من جهة العقل أم لم يخرج. وهذا فخ كائن الحاضر أنه يتزعزع بين طبائعه ظانا منها غير حقيقتها، أو مخدوعا بها لغير حقيقته.

تم الرجوع أثناء كتابة المقالة إلى :

مقالة اتباع الهوى سلمان الغصن مقالة العقل والنقل محمد المنجد مبحث درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل /الدرر السنية