حزن نبي.

2 فبراير، 2021

الحزن ترجمة شعورية لخلجات خاصة، تتدفق داخل النفس، وتسري سريان الدم في العروق.

لغة يجيد فهمها الحزين عند النظر في عين الحزين، تمتمات تنتقل أسرع من كل الكلمات، وأحيانا توَّقع العين رسالة القلب، بدمع هو أقرب أن يكون دمع الروح.

حينما سار بخطوات الدعوة الأولى، سار مسير الواثق بأن الله سينصره، لم يهتز ولم يتضعضع كيانه، رغم معرفته المسبقة بطباع قومه.

كان يعلم أن الجهل أطغى، والعصبية أغلب، وأنه سيرى من المحن ما يساوي قدر عنادهم وصعوبة التغيير ..

ومع كل ذلك سار وهو ينظر إلى السماء مُعلِّقا آماله بمن وضع الرسالة فيه.

ذاق المرارات، وتناوبت عليه النوائب، وهو في كل مرة يصدع بدعوته، ويهتف بالحق، في كل مرة يجابه الجاهلية، ويعالج أدواء أنفس استعصت ..

ويأبى الله إلا أن يذوق طعم الفراق، لتكون الخلة خالصة، والاعتماد تام، فتموت رفيقة دربه الأولى، وعمهالذي كان سنده من الناسويبقى يحاول أن يمضي حزنه في عام الحزن ولكن العام من ثقله كأنه لا يمضي ..

«لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك». ويقول: «ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب».

قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إنالله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا».

وما كادت الجروح تشفى، والنفس تعاود انشراحها حتى يُقتل من أصحابه سبعين منهم عمه حمزة رضي الله عنه،  الذي كان يحبه حبًا شديدًا.

لن أصاب بمثلك أبدًاقالها والقلب يعتصر على فقد حبيبه، وصاحبه الذي أعز الله به الإسلام.

استمرت زفرات الغيظ المكبوتة، ورجع بألم طري، يتنفس بين كلماته، «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد سمع نساء الأنصار يبكين فقال: لكن حمزة لا بواكي له…» ولكن حمزة الذي فقدته لم يكن له بواكي، ولم أجد من يشاركني ألمي فيه، ويجد في قلبه كما أجد، وهذا ما يجعل الحزن أشد، أنه حزني أنا، وما يجعله خاص بي أكثر، أن لا أحد يعلم حمزة كما أعلمه أنا.

ويشاء الله أن يُقتل بعد ذلك، سبعين من أصحابه غدرًا، ويحزن لفقدهم أشد الحزن، قال أنس رضي الله عنه: «فما رأيت رسول الله ﷺ حزن حزنا قط أشد منه».

ثم فجع في جملة من أصحابه في غزوة مؤتة، وحزن لفقدهم حزنًا عظيمًا.

ولم تفارقه الابتلاءات حتى في أهل بيته، فقد فقد أولاده الثلاثة : القاسم وعبدالله وإبراهيم، وبناته الثلاثة : زينب ورقية وأم كلثوم.

«فدفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها في شن، ففاضت عيناه، فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء».

لم يأمر الله نبيه بالحزن، بل ونهاه عنه، لأنه ناصره وكافيه من الناس، ولم تكن أحزان النبي لما يتعلق بحياته، دون دعوته، وأمته.

إنما معظم أحزانه ودعواته وهمومه كانت لنا، «عن عائشة بنت الصديق رضي الله عنها قالت : لما رأيت من النبي ﷺ طيب نفس قلت يا رسول الله ادع الله لي قال اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر وما أسرت وما أعلنت فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك فقال رسول الله ﷺ أيسرك دعائي فقالت وما لي لا يسرني دعاؤك فقال والله إنها لدعوتي لأمتي في كل صلاة».

تخيل أن يرغب النبي برؤيتك تحديدا ..

أظن لو كان الأمر يتعلق بفرد من أفراد أسرتك له مكانة خاصة، وغبت عنه فترة طويلة، ثم يتصل عليك ويعبر عن شوقه ورغبته في لقائك أن قلبكحينهاسيكاد ينخلع له بالمثل، فما بالك بحبيب الله ورسوله يصرح فيك بذلك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا». قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد..».

تتلاشى الذات لأجل الله ودينه، تختفي الرغبات إلا لما كان للآخرة، يرجو النجاة ويخشى الله ويتقيه، ويفكر حينما يفكر في أمته، حتى كأن كلمة الشفقة في (اللهم أمتي أمتي) خلقت لأجل فمه الطاهر وحده.

«عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي تلا قول الله في إبراهيم ﷺ: رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ، وقول عيسى عليه الصلاة والسلام: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمدوربك أعلمفسله: ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، فأخبره رسول الله بما قال، وهو أعلم، فقال الله تعالى: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك».

اللهم إنا نحبك ونحب نبيك ونحب من يحبك ونبيك، فاحشرنا يارب في زمرته، واجعلنا من أهل شفاعته، لا ممن خذل دينه، ورضي عمن آذاه، بحجج ليست من الحق وصدق القول وصحة الإيمان.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.