القيمة ما معيار القيمة؟!

2 فبراير، 2021

حينما قرأت سطرا في كتاب ما، توقفت لبرهة أفكر، ما مدى ملامسة هذا السطر للمعنى الكامل؟.

تفكرت قليلا، حتى قفزت لعقلي عبارة من السيرة كأنها أتت جوابا لهذا السطر ..

واليوم أثناء انهماكي بعمل ما، جاءت نفس العبارة والسطر وشواهد أخرى، واجتمعت الكلمات في عقلي من هنا وهناك متعثرة، مبعثرة .. حينها شعرت بإلحاح إخراجها والتعبير .. لعل الجلبة التي أحدثتها فيّ تهدأ!!

عدت بكل ما بداخلي والقلم للجواب عن :

القيمة ومعيارها ..

حينما تتكلم عن نفسك، كيف تُقيّم أهميتها بالمعيار السليم؟.

هل قياساتنا المجتمعية بعاداتها كل شيء؟.

هل فكرت أين أنت حقا؟.

نعود للمنبع النوراني، والنموذج الإسلامي الحي، ونراقب مستويات الناس هناك.

متى وأين يُفضل هذا على هذا؟. وعلى أي أساس؟.

في السنة ومع أحد الصحابةكان رسول الله يحبه، وكان رجلا دميما، فأتاه رسول الله وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت، فعرف النبي ﷺ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي حين عرفه، وجعل رسول الله   يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله، إذا والله تجدني كاسدا، فقال رسول الله ﷺ: لكنعند اللهلست بكاسد. أو قال: لكنعند اللهأنت غال“.

لم ينس راوي القصة أن يُذّكر بمعيار هو للبخس بين الناس لا الرفع، عندما نوه على دمامة الشكل، فالناس يأخذها ظاهر الصورة عن حقيقة النفس، وهذا في خير الأزمان فماذا عن مجتمع آخر، يُبخس فيما هو أعظم وأجلى فما بالك بالأقل.

وتتجلى صورة أخرى من صور القياس حينما .. “مر رجل على النبي فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟، فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا“.

البخس الأول كان للشكل، فعلى دمامة الوجه كان التحقير لعين الذات، وركز جيدا في دقة الرد النبوي على الصورة الأولى حينما قال لكن عند الله لست بكاسدولم يقل عند الناس أيضا، وهذا لضعف البشر عن العدل الكامل وكشف الحقيقة بميزان الحق بصورة مطلقة.

أما في الشاهد الثاني، جاء معيار آخر وهو الحالة المادية، وكثيرا ما يقع الناس في هذا التقييم الفاسد حتى يُكرم بسببه الوضيع ويُوضع الثمين. ومن صور التكريم التي أتى الحديث بمثال لها، الموافقة في الخطبة، والتشريف بقبول الشفاعة..

وهذا قبل طغيان المادية وضعف الإيمان في النفوس الذي نتحسر عليه كل يوم ويصدمنا في عالم الوقت المعاصر، فلم يقتصر الأمر على مثال نبوي هادئ، بل طغيان رفض شمل حتى قبول النصيحة من المنصوح وقبول الصداقة والقرب والتوقير والكلام والمصافحة

لم تأت الطبقية لتؤكد معان يصب لأجلها الاختلاف بقدر أنها فصّلت الناس بأشكالها ومظاهرها ومادتها .. فجعلت قيمة الإنسان من قيمة المادة وحرمته من التحليق عاليا في سماء الإبداع والارتفاع لأن مقاسات السمو أصبحت صلبة بصلابتها، وبينها وبين المرونة دهور بُعد وجفاء كجفاء كائن اليوم.

لابد من عزل نفسي عن معايير الناس الجائرة، ففيها من الميلان بقدر انحراف مستويات الصورة، وتشوش البصيرة، وغبش الرؤية ..

فقال: إن مدحي زين وذمي شين، فقال النبي: «ذاك الله عز وجل»”

عندما ضحك الصحابة على ساقي ابن مسعود رضي الله عنه .. تعجب النبي من ضحكهم وقال ..” مم تضحكون؟ قالوا : يا نبي الله ! من دقة ساقيه ! فقال : والذي نفسي بيده ؛ لهما أثقل في الميزان من أحد“.

سريع هو تقويم النبي لفهم الصحابة لمسألة ليست بالهينة كما يتبادر للذهن لأول وهلة، فهذا درس نبوي يتوجب الوقوف بحضوره كل مرة.

لا تقس الناس بما ترى، ولا بظاهر حالهم، ولا بالمناصب و المراكز، والأعمال الدنيوية..!!

خُلقنا لما هو أعظم من الدنيا وما عليها، وأتينا لهدف أكبر من حجم الكواكب والأفلاك، بل والغاية من الوجود ليست بحجمنا المادي المحسوس، إنما بما وقر في القلب وصدّقه العمل!.

لا تبحث عن مستوى اجتماعي يجعل الآخرين يوقرونك ويجلونك، ابحث في غابات روحك المهجورة عن قناديل النور، عن محبة الله، وماجاء به الرسول .

تحسس جوفك هل شيدت صروحه على تقوى، هل جملت باطنك بما يرضي الله عنك، هل بنيت قصرك في الجنة، ورفعت درجتك هناك، هنا فقط تستطيع أن تكون أمة لوحدك. وتركل بقدميك مقاييس الناس الفارغة بفراغهم.