استقطابات ناعمة.

2 فبراير، 2021

في غفلة عن أمرها، سُئلت عنها كثيرا في موقع القراءة، وصلتني رسائل على الخاص، تشتعل بالخوف والحذر، ونبضات قلقة أتلمس صوتها بين الكلمات. “هناء هل تعرفين عنها شيئا؟أجيب :لا أعلم إلا ما تعلمون، ما سبب ظنكم أني قد أعرف؟!” “لا شيء؛ ظننا لأنكم نفس الجنسية، وصداقتكم واضحة على الموقع، فقلنا ربما تعرفينها بشكل خاص!” بعد برهة تفكير .. “نعم تواصلنا قبل اختفائها عن الموقع، لكن ليس عندي جديد عنها، لو عرفت أي شيء أخبرتكم بإذن الله“.

نعود لفترة قبل الاختفاء لأخبركم عن هذه القارئة الصغيرة النهمة، صحيح أنها لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرهافي ذلك الوقتولكنها اشتهرت في موقع القراءة بالذكاء، وقوة الملكات، فقد كانت تقرأ كتبا لم يقرأها إنسان في العشرين، بل وتتمها بوقت قياسي وتكتب عنها برشاقة وخفة فريدة.

برزت بشدة اهتمامها الديني وبالكتب الفكرية والثقافية المتنوعة، وكان في ردودها جانب من الاتزان وقوة المنطق.

لم يُشعرها الأصدقاءهناكبأنها صغيرة، بل ربما هي لم تشعرهم بهذا، لجمال حضورها وشدة تأثيره.

كانت تكتب المراجعات، وتعلق، وتناقش وفي كل ما تفعل تجانس شديد وترابط في التعبير والتفكير ..

لو أردت أن تشك بأن شخص ما سيضل، لن تشك في هذه الفتاة، فكيف لعقل كهذا أن يأتيه الباطل ولا يعرفه، وثقافة ممتازة تجاوزت فيها الثلاث مئة كتاب أن تتهشم أمامه؟! ولكن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، سبحانه.

في فترة تفاعلي وتفاعلها على الموقع، حصل أمر شتتني قليلا؛ وهو أن أحدهم أرسل رسالة خاصة، يرجو مني دخول مجموعة ثقافية، تناسب من هم في فكري على حد زعمه!

فتعللت بأني لا أتعامل مع التلقرام، وأن التطبيق جديد علي ولم أستخدمه بعد، ومضيت ..

ولكن الفضول دفعني مرة أخرى لأرى معطيات هذه المجموعة، وأحكم بنفسي ..

دخلت المجموعة ورأيت أمورا لم أرها من قبل، تعجبت كثيرا من تطاول أفرادها على الله ورسوله، وكمية السب والشتم للدين الإسلامي، بل صعقت تلك الفترة ودخلت في أزمة نفسية لا أدخل في مثلها إلا قليل.

كنت أصحو وأنام وعقلي مشغول بهذه المجموعة والكلام الذي يدور فيها، مشغول لدرجة أني أخرج منها خوفا على ديني، ثم أقرر الدخول لأرى ماذا حصل فيها من جديد ..

كانت فترة المجموعة من فترات التحول الجادة في حياتي، لأني من ضمن الأشخاص الذين قد يحركهم الاستفزاز إلى قرار صارم ومصيري، وهذا ما فعلته معي حقا.

بداية؛ مثقفتنا الصغيرة وجدتها صدفة في هذه المجموعة، اندهشت، وقلت في نفسي : لا زالت صغيرة على مثل هذا الكلام المرعب، كيف ستتخلص من تبعاته؟!.

دخلت لها في الخاص وقلت ما الذي جاء بك إلى هنا هل أنت مجنونة؟! وأعقبت ممازحة : لو رأيتك هنا مرة أخرى أخبرت والدك.

ردت علي بأنها فقط تقرأ وترد إذا لزم الأمر ولا شيء يستلزم خوفي عليها.

لم يرحني هذا ولكني على الأقل حاولت ونصحت، وكنت صادقة في توعيتها بالخطر.

كان نشاطنا في موقع القراءة كما هو، وهي كما هي لم تتغيرفي تلك الأثناء.

وبالصدفة لاحظت أن نفس الشخص الذي دعاني للمجموعة موجود عندها في حسابها التويتري، يعني أن دخولها لا يختلف في مسببه عن دخولي، وأن نفس الشخص يحاول الاستقطاب باستمرار ..

كانت أثناء وجودي في المجموعة تناقش وتذب عن الدين وترد وتفند.

لم يطل بقائي في المجموعة، ربما أخذت مني شهر أو أقل قبل خروجي النهائي خوفا على ديني، والتي خرجت منها محملة بقرارات صارمة تخص حياتي.

أما هي فلم أعد أعرف عنها فيما يخص المجموعةرغم أنها استمرت معنا في موقع الكتب قليلاثم انقطعت انقطاعها النهائي والمريب ..

والذي كان انقطاع تام ومن كل البرامج حتى شككنا أنه أصابها سوء، وقلق عليها الكثير لنفس السبب.

مضى على المجموعة ما يقارب عام، كنت طوال المدة أحاول الاجتهاد في العلم الشرعي وترك الكتب التافهة والالتفات للمهم منها، وفي يوم ما دخل حساب جديد على موقع القراءة باسمها يحمل صورة تختلف عن ذوقها الذي أعرفه، صحيح أن الصورة كانت عادية، لكني لم أقرأ فيها نفس الطهر والبراءة السابقة، وشعور قلبي راودني أنها اختلفت كثيرا عن السابق.

دخلت بحماس وحيتنا وكانت سعيدة جدا بعودتها، ولكني لم أفرح لا أدري لماذا، أشعر أنها تغيرت للأسوأ وتخفي  ذلك، قلبي لم يطمئن، وسألت صديقتي المقربة في الموقع وقالت لي حتى أنا يا هناء أشعر أنها تغيرت لكن لا نحكم حتى نتأكد، وحاولي أن تفهمي منها ذلك، فهي دخلت الموقع ولم تضف أي كتاب ديني قرأته من قبل، قلت لها صحيح، وهذا ما لاحظته!

في ذلك الوقت قَرَأَت كتاب إلحادي وأعطته تقييم مرتفع، ولمحت في المراجعة أنه لولا الأفهام لمنحته أرفع من هذا!.

اندهشت جدا، كيف لها أن تشيد بكتاب كهذا بهذه الوقاحة، فعلقت عندها على المراجعة وفي الخاص، ولكن الصدمة أنها صرحت لي بأنها لم تعد كما كانت، تؤمن بما نؤمن!

وصدمني أكثربعد شكها باللهأنها نفس الشخص الذي كان يفاخر بأنه يسكن جوار النبي في مدينته!!

كانت أصعب لحظاتي أنا وليس هي، لأني شعرت بمسؤولية مضاعفة تجاه ديني وتجاه من هم مثلها ..

تلبسني القلق والهم بشكل كامل، ومضيت من عندها وأنا أحترق من الداخل ليس عليها فحسب بل على كل من كان سببا في تلويث قلب مسلم.

كنت أعد الخطوات خطوة خطوة، كيف سأتقدم للأمام، ماذا أفعل، ما هي خططي، بماذا سأضحي، وماذا سأختار

لولا أن الله ثبتني لكان حزني يئسا من تغيير أي شيء، ولكنه دعمني بقوة الأمل، فكنت أرى النجاة في مضاعفة الجهود والتركيز على نقاط القوة.

درست العلم الشرعي بحرقة، كان قلبي لا يهدأ وللأسف لازال لا يهدأ ولا أظنه سيهدأ وأنا أرى أمثالها يتخطفهم الضلال من حولي ..

كيف لاستقطاب ضعيف وفاشل أن يؤتي ثماره في شبابنا ويقلب كفة الإيمان الصلب؟!، كيف لجنود السوء أن يكون لديهم إصرار مضاعف؟!.

كثير ممن نراهم تبدلوا لم يكن ذلك بشكل عشوائي وعلى كامل الحرية والاختيار، هناك من يعمل في الظلام، ويضغط في السر، ويجند ويخلص لقضيته ويكافح ويقدم راحته ووقته قرابين.

شباب الأمة مسؤوليتنا نحن، أهل بيتك أمانتك، جارك إذا أخطأ تذكيره مهمتك، زميلك، معلمك، شخص عابر لا تعرفه ..

كن لهؤلاء القوة، مهما عصفت بك وبهم الدنيا، ولا تكن خادما للأعداء بتوانيك السلبي، وشعورك بقلة اليد، مهما وصل ضعفك.

نريد استقطابا عكسيا، استقطابا ينتشل شبابنا من أمام ذئاب الفكر، وخونة الدين، استقطابا علميا توعويا، يعيد لهذه الأمة تكاتفها وقوتها في الحق.

استقطابا لبرامج الخير، وتجمعاته، ونوافذه، يصنع ويبني في عقولنا، ويجعلنا نتماسك لنكون الدروع الحية دون إسلامنا، ومبادئه التي زرعت فينا.