الرقي الإسلامي.

5 فبراير، 2021

لم يشأ الله أن يجعل اهتمامي إسلامي في صغري، فقد كنت من هواة علم النفس، بل وكان من خططي الدراسية إذا كبرت، ولم يشأ الله أن أدرسه حينما كبرت، بل وحدثت نقلة كاملة في حياتي بدلت شغفي للإسلاميات.

حينما كنت أتحدث مع إحداهن وأخبرها باهتمامي السابق وتبدله، ردت كأنها مستنكرة سبب السر ..

لكني لم أتردد بالجواب بأن الشريعة تهتم بالنفس وأكثر، تتغلغل إلى أعماق الروح كما لم يفعل غيرها، هي حيوات وليست حياة واحدة، وإمدادات وليست إمداد واحد، ومعانٍ تضرب في أعماق البشرية جمعاء، ليس في نفس الإنسان فحسب، فكيف لا تشدني لآخر قطرة، من سقاء الروح، وكيف لا أهتم بها وهي أنا بكل أبعادي وآمادي وأزمنتي وبقايا التاريخ في ذاكرتي.

في فترة ماضية شغفني التأمل في نعيم الجنة، وجدت سرا ما لم يجذبني في الحديث عن سواها، وبعد فترة تفكير عرفت أنه في مستوى الرقي في الجزاء الأخروي ..

نعيم لا عراء فيه، لا ذل لا جوع، ولا رائحة نتنة، وحديث لا حقد فيه ولا حسد ولا بغض ولا كذب أو تحايل.

لم تحتج الجنة بعد تأملي لها إلى الشمس لأن تشرق فيها ليس لأنها حارقة، بل لأن شخوصها شموس تتمثل فيهم أعلى المعاني وأرقى أنواع الجمالذلك الجمال الذي لا يتدخل الشيطان فيه ليسحرك بتصديقه، فكل شيء حقيقي جدًا، لا من تزييف أهل الدنيا.

أنت هناك بكامل جمالك المعنوي والخارجي والنوراني تسطع كالأفلاك، أنت هناك جنة لوحدك.

المعاني المعنوية أرقى مما يتخيلها عقل، فما بالك برقي الصور والمحسوسات، وقيمة كل شيء تراه فيها.

ورغم أن إدراك نفس الرقي لا تعرفه النفس الدنيوية على وجه الكمال أو الاستعداد ولكنها تتلمسه في بعض المدركات وتربطه كما تربط بين وجود عنب في الدنيا وعنب في الجنة دون أن تدرك كنها الأشياء كما هي أو تستشعرها على وجهها.

وهذا من أسرار خلق الله، أن يعرفك بما يشوقك لنعيمه، بضرب الأمثلة مما تراه وتعرفه.

أما إذا كنت ممن يفضل العراء في الدنياعلى سبيل المثاللن تفهم نعيم الجنة في الستر حتى تتطهر نفسك من أوحال الذنوب وتأثيرات الشيطان لتدرك لذة النعيم والرقي في أن يصف الله لك جنته بأن من مزاياها أنك لا تعرى أبدًا .. ففي العراء ذل لن تراه هناك في دار كلها كرامة. “خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك منزل الملوك” منزل للملوك كيف لمن شردته الدنيا وتلاعب به الشيطان ونزع ثيابه أن يفهم رقي ما فيها وسمو أن لا تطمح المرأة بعينها لغير زوجها أو أن تحقد على امرأة أخرى في ملكها أو تفهم قيمة الستر العلوي عند رب العالمين؟!

أما البرد والحر وهجوم التأثيرات الكونية مما يضعف جسدك ويمرضه فهذا ليس منها ولن تعرف الإنحناء أمام أجواء كلها دعة وسمو وارتفاع.

ستحلق بكل ما فيك عاليا، يكفي أنك سترى ربك وهذا ارتفاع لا ارتفاع بعده، ونعيم ولذة لا فوقها شيء.

أما شخصية النبي فرقي كلها، وإذا كنت تقصد بالتطور مرور الأزمنة وتطور الآلات وتحديثات الحضارة فأجزم أن الكمال الروحي في شخصيات الأنبياء والنبي محمد تطوي الزمان طيا وتسبق كل مستحدث وتزيد عليه في نبل المعاني وحضارة السلوك الإسلامي في أسمى جودتها، ولن يسبقها شيء فهي النموذج المفرد في المثال الإنساني كما ينبغي أن يكون وأن يُحتذى ليعتلي عرش القيم.

فنماذج تعاملاته مع عائشة رضي الله عنها والصحابة والغرباء تسلب اللب، وتحير العقل إذا تفكر فيها، ما هذا؟كيف لإنسان أن يرتقي كل هذا الرقي ويشرق كل هذا الإشراق دون تكلف أو تصنع، لا يتبادر إلى الذهن حين القراءة في كلماته وسيرته إلا قول الله : (ولتصنع على عيني) فشخصية النبي لم تأت هكذا بسبب الوحي وحده، هناك صناعة خاصة لحقت جميع مراحل حياته حتى من قبل أن يتخلق.

الرقي في الشخصية النبوية ليس بيت رفيع مبني على سهل أخضر بل حصن منيع لا نهاية لارتفاعه عن الأرض، وروح تشع بالنور هيأها الله لعبء الرسالة، وجعل فيها من القوة واللين والشجاعة والحب والتضحية والصدق والإخلاص والرحمةففيها من الكمالات البشرية ما يصعب حتى تصوره في إنسان تراه وتسمع منه.

إن في ذلك لآيات للمتوسمين .. فمن يراه يهابه ومن يسمعه يعرف أنه صادق، فحتى طريقة نطقه للكلمات تمتثل جانبا منه ينثر من خلاله النور فلا تدري أي نور سبق نور الصوت أم النطق أم الحرف ..عن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله المدينة انجفل الناس قِبلهأي انجذبوا إليه، قالوا: قدم رسول الله ، فجئت لأنظر، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب. فكان أول شيء سمعته منه أن قال: يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام”.

وحينما تتأمل التشريعات الإسلامية لا تشك في أنها خرجت من مشكاة نبوة، فهي نقية صافية، ترشد البشرية لاجتناب الدنس والقاذورات الفكرية والسلوكية، وضوء قلبي من كل ما يلوثه وحماية بدنية عن كل ما ينهكه، ورعاية للمصالح وتقديم للنافع على الضار والأنفع والأصلح والأجدر .. فهي أساسات ومعاني وقوالب تصنع فوارق الجيل والمجتمع والأمةعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب، قال : فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم جاء فقال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال : سبحان الله ! إن المؤمن لا ينجس.

وكيف ينجس من اسم الله في قلبه وشريعته دليله ونبيه محمد هاديه ومرشده ؟!

أنت هنا أمام أرقى الشرائع كيف تنجس إذا امتثلت بها ؟!

كنتم خير أمة أخرجت للناس

ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا”

عن ابن عمررضي الله عنهماأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، فقال: أهل الكتاب هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء.

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغويكون الرسول عليكم شهيدافذلك قوله جل ذكره: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ( والوسط العدل ).