لماذا هي ليست جميلة؟

7 فبراير، 2021

خلق الله النفس على هيئة فريدة، وجعل الأرواح تتشابه في أنواعها ولكن لا تتطابق، فالفرادة محور رئيس يستمد جوهره من جوهر الكائن الإنساني. فالإنسان نفس وصورة، والصورة لا تنفك عن ذات صاحبها، فحينما تراها تتوصل من خلالها لأعماقه إما معرفة أوشعورا ..

(كان النبي أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه، عرفناه في وجهه)

(كان رسول الله إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه)

تعكس الملامح باطن النفس، وهذا الانعكاس يشبه تلافيف البصمات، فحينما تدقق، تسلبك الدهشة لتقول : يوجد شيء جديد هنا، يوجد ما هو حصري، وهذا من تجليات اسم الله (الواسع) الذي جعل لحكمته لكل خلق خواص، ولك مخلوق مميزات لا يشترك معه فيها غيره، حتى على المستوى الدقيق جدا.

لو تأملت بديع ما في الصور الشكلية من معانٍ، أدركت كم أن هذا الإنسان يعكس نفسه بطريقة رقراقة تنساب للأعين بمثابة الشفرات، ممكنة الفهم، وسهلة التمييز للمتوسمين.

دائما ما تقول التعابير الشكلية شيئا، بل وتقوله بشكل مختلف في كل مرة، وإني أجد أن من رسائل الحكمة في اختلاف الصور والتعبيرات أن يدرك الإنسان كم هوحروكم هو مسؤول عن اختياراته وحده، ومطالب بها، ومحاسب عليها، فالتطابق سمة آلية ليست لهذه الروح السماوية ذات الكرامة والعناية الخاصة.

أنت أمام إلهام الروح المفكرة، المتفاعلة بالعقل، المستجيبة للانفعالات، المتأثرة بالرسالات، المختارة، المتحيزة، المتصدرة، المتكلمة ببديع الكلمات .. أنت أمام (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). لذلك هذا التميز أول ما يريد الشيطان طمسه لأنه يذكره بكرامة آدم، كرامة الإنسان الأول الذي منحه الله امتيازات فقدها هو، وازداد خسرانه مع عصيانه، وازداد لذلك حنقه على ذريته، فثار في داخله تحدي الطمس والتشويه .. (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) ما الذي أزعج إبليس في صورتك إلى هذا الحد؟! لعله يعرف أكثر منك أنه لن يصل إلى تشويه الصورة إلا بتشويه النفس، وأن تشويه الصورة مؤثر في النفس كذلك، فهو عدو والعدو لا يقدم على عداوة من يجهل، إنما عن معرفة حقيقية. والصورة لن يختار تغييرها عبثا، فمن يعلم حق العلم أنه في النار لا وقت لديه للعبث، هو يريد منك هويتك، وتزوير الهوية جزء لا يتجزأ من تزوير الإنسان، بالتالي ضمان كائن جديد مزور، ومعزول عن خالقه بلبس ملامح مكررة، سميكة، بليدة، ليدخل بها لعالم بعيد يؤله ذاته ويعجب بها لحد التيه، إعجابا لا يريد خلفه أن يرى آثار خلق الله فيه.

حينما أتصفح صفحات المشهورات في برامج التواصل الاجتماعي، ينتابني هذا السؤال كثيرا، لماذا هي ليست جميلة؟. قد يبدو السؤال غريبا ولكنه حقيقي، فالصورة حينما تتدخل اليد البشرية للتغيير منها وتستمر في التغيير إلى درجة نفي الأصلية بشكل شبه كامل تمنحك عدم الارتياح، تشعر بأن فيها أمرا غير طبيعي، وأن صاحبها تنازل عن معانٍ أصيلة حتى تمكن من الحصول عليها. تنظر ببصرك فترى معالم مرسومة بدقة، وتنظر بقلبك فترى خلف هذه الدقة فوضى، وقلب مظلم. لا يستطيع التزوير إخفاء ظلام الروح خلفه.

وفي ظني أنها تعلم أنها ليست جميلة بشكلها الجديد المنتحل، فليس من المعقول أن ترى أن وجهها أصبح مهترٍ من كثرة الاستعمال والانتشار بين جنسها، وأن الشفاة الكثيرات أصبحن يمتلكن نفس امتلائها والذقن أصبح أشهر من اقتباس على حائط شارع معروف، والتوصيلات في شعرها والرموش وتحديد الوجة والخدود المنتفخة والملامح المتورمة المعجونة بالمساحيق –وبنفس الطريقة- قد أصبحت صناعة نسائية تُشترى وتباع وتُنحت ويتم التلاعب بها ونسفها كتلاعب الصغار بالرمال على الشواطئ، ثم تتفاخر بها وهي موضع سخرية وامتهان؟!.

كنا في زمن سابق نتعرض لضغط التحديث على الملابس والاكسسوارات، أما اليوم فدخل التنميط كل شيء وتمت إعادة صهر العالم وتشكيله وفق كتالوج مستورد، يصمم مقاسات المرأة بالكامل، حتى كيف ينبغي لها أن تمشي وما الوزن الذي لا تخرج عنه، واللون ونوع الجلد ونوع الشعر وطريقة تناول الطعام والقهقهة ونغمة الصوت.

نسخ إبليسية تتكاثر كل يوم وتفرض حضورها لدرجة أن الفريد يحزن لفرادته ويرى أنه دخل دائرة مشكوكة، أو يعيش فوق كوكب الزهرة.

وللأسف تم ترويج القلق لما يحدث، بكثافة، ولأن الملامح مصهورة ومكوية ومنمقة بترف أصبحت الشيخوخة هاجس المرأة أو أن تخرج عنالصور المحددة في كتالوجها المفروض، فتضطرب، ولا تهدأ، وتتساءل لماذا لم يعد هذا العالم يقبلني كما أنا؟!.

قلق الملامح ولد تساؤل بصري، نوعي ..  هل يحتاج الجمال إلى برهنة؟. هل عمليات التشطيب والحذف والإضافة، تعكس جوهر الإنسان وقيمته؟. بالتأكيد لا، ومن نعم الله أنه هو موزع الجمال، وإذا تدخلت يد مخلوقة فيما هو ليس إلا له وحده محق عملها بركته، وخرج التحسين تقبيحا، وقد لا يشعر الضحية بهذا لغبش الرؤية أمام عينيه. (زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون).

الغرق في الشكليات والمبالغة الشديدة في التجمل وطمس الصور الأصلية يخلق الحواجز بين الأرواح، ويعزل أصحابها في صناديق تضعف معها الفصاحة ولغة التواد والتآلف، يرتسم البغض رغما عن تصنع الشفاة وتترهل العواطف ويصيبها من برود البعد وأخلاق الصور الجديدة. وإذا كان اللباس يؤثر على شخصية اللابس، فما بالك بمن يلبس وجها جديدا يمحو به القديم؟!.

توجد مسببات لانشراح النفس؛ لصاحبها ومن حوله تجاهه، من تلك الأسباب طبيعيته، لذلك دائما ما يجذبنا صاحب الشخصية الطبيعية والشكل الطبيعي الصادق المنسجم مع ذاته، وهذا ما يفقده أصحاب التزوير الشكليفقدان الطبيعية، حتى انعكاس الروح على الملامح يبدو مشوشا مضطربا كأنه خرج من ذات مسحوقة أو آلة متحركة، لا تشعر بأن ابتسامتها من قلب، أو أن الحزن بادٍ عليها أو الفرح والرضا والحب .. معزولة متصنعة مفبركة بشكل مستنزف.

لماذا لا أراها جميلة؟!. لأنها ليست جميلة حقا، استجابة لصناعة إعلامية، وضغط الصور المقبولة، والموضات، تنفخ هذا العام، وتفرغ ما نفخت العام المقبل، تصل شعرها هذا الشهر، وتفصل ما وصلت الشهر القادم، تظهر هذا الأسبوع بلون فضي، والأسبوع القادم، بنحاسي أو ذهبي، متلونة كالحرباء، ممجوجة، تعيش بجسد دمية ويستهويها التلاعب البصري وتداعيات الحركة، وكل هذا على روح كالجثة هامدة.