القابلية التيارية.

19 فبراير، 2021

قبل الولوج في الحديث عن التيارات عموما، والقابلية الفردية لها خصوصا، نحن بصدد موجات فكرية تنتهجها جماعات هدفها التغيير باتجاهاته وأبعاده المختلفة لنظام سابق، واستبداله بنظام جديد ولا يعني الاستبدال الكلي، فهذا يحدده التيار نفسه بنسبة التغيير فيه، الذي يتميز بأنه غير مستقر أو ثابت.

فالتيار في اللغة هو الحركة السطحية التي تحدث في ماء المحيط، وتتأثر باتجاه حركة الرياح، أو شدة جريان الماء، والتِير تيه وتكبر. وتأخذ التيارات في معناها الاصطلاحي من الحركة والانتقال، والتأثر بِمُوّجه ما، وعدم الثبات، والسرعة، وهذه السمات تنعكس على التيارات الفكرية عموما.

والفكر تحديدا هو من التفكر أو تردد القلب في الشيء أو التأمل. فهو جملة النشاط الذهني من تفكير وإرادة ووجدان وعاطفة، ومايتم به التفكير من أعمال ذهنية. والتيارات الفكرية حركات فكرية تنتهجها مجموعة من الأفراد أو الجماعات التي تتبنى فكرا معينا أو اتجاها واحدا، فهي تيارات حركية، لها حمولة فكرية مستقلة، تقوم تحت إطار معين، وكل ذلك في المجال الذي حددت التحرك فيه. يضم التيار مختلف الأطياف والتوجهات والأديان التي تشترك في هدف واحد فيما بينها سعيا لتحقيقه، فهي تضامنية، تشاركية، مشغولة بالهدف المنشود.

وفي التاريخ الفكري الغربي والإسلامي يمكن القول أن بداية نشأة مفهوم التيار الفعلية كانت مع تكون الاتجاهات الفكرية، وهي الاتجاه العلماني في الغرب، والعقلاني في المجتمع الإسلامي.

فقد برزت في الساحة الفكرية الغربية عدة تيارات كالديموقراطية، والوجودية، والعصرانية، والليبرالية، وغيرها. والتي انتقلت بدورها إلى الدول العربية وتأثرت بها في القرن العشرين.

ومما انطوى خلف مسببات النهوض لتلك التيارات في المجتمع الغربي، الشعور بالتخلف والظلم والقهر، وإحياء الفلسفات اليونانية، ومكائد المؤامرات اليهودية المحرضة أيضا.

أما في المجتمع الإسلامي، فالتيارات انقسمت إلى تيارات تزعم أنها تدعو للمنابع الإسلامية الأولى، وأخرى تدعو لاحتذاء الغرب، وثالثة تريد إسلاما حضاريا متطورا.

وليس يعنيني في هذه المقالة السرد التاريخي للتيارات فهذا لم أتعمده حين حددت العنوان والذي قد يكون أُشبع طرحا أو على الأقل قد تم التفصيل فيه بشكل لا تستوعبه مقالة، إنما القابلية التيارية، وهذه القابلية الفردية أو الجماعية هي موضع التركيز، فأنت حينما تتحدث عن التيارات بشكل مجرد وتغفل عن العوامل النفسية والآنية المصاحبة للتشكل تكون قد أغفلت جانبا مهما هو من صميم الحركة الدافعة لمثل هذا الانبثاق .. ولا يستحضرني حين الكتابة إلا عنوان كتاب مصطفى حجازيالتخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” لأنك حينما تحلل عوامل التأثر بالطغيان أو آثار الظلم والقهر ونتائجها على الشعوب تجد أنها نفسها هي المسبب الرئيس لأمور أخرى تندرج منها وتنعزل عنها في الوقت ذاته وكأنها لا ترتبط بها، وهنا يكمن السر في أن التحليل الجيد قد يساند في فهم العوامل المتلبسة، والمتشعبة، التي قد تتنكر بظواهر أخرى وعند البحث والدراسة تجد أنها أساس لها. (ولا يعني إعجابي بكتاب مصطفى حجازي وإن قربته كمثال لجذور التحليل).

يوجد اشتباك فعلي بين نفسية الفرد التياري والقابلية التيارية، تقف أمام أفراد لديهم القدرة على الثورة والمناداة بشعارات لم تُعرف من قبل، على الأرجح في بداية التأسيس، فتصدمك الجُرأة والإرادة الحرة، والمحاولات الجادة أو الطائشة أحيانا أخرى.

فالفرد التياري فرد تمت إعادة صياغته من جديد بمفاهيم يريد لها الحضور والانتشار، فهو متحمس، ونشط، وصاحب تأملات مستقبلية يستدعيها في تصور الواقع المطموح له بعد رواج التيار.

وغالبا يصاحب الحماس فئة الشباب، فيكون الاستدعاء الشبابي والجاذبية للجماعات التجديدية قنبلة شبابية تنفجر من وقت لآخر، ولكنها لا تدار من الشباب إنما تساس بهم، فالمحرك الرسمي للموجة هم أصحاب الخبرة والمعرفة ثم تكون سرعة الانتشار والحماس الشبابية تابعة لقدوات وشخصيات رمزية يلحق بها المستجدين.

لذلك للتيارات أقطاب من حيث أنهم محط الاهتمام والرؤية، وموجهين هم في الأساس اليد الفعلية للتيارات، ومن ثم المنفعلين بها الداعين، النشطين أو المؤمنين.

أما عن العوامل النفسية المساندة، فمن أبرزها الإحباط بالواقع، وعدم الرضا به، أو الثورة عليه على أنه هو العائق أمام النجاح والفوز أو التقليد لعوالم أخرى انتشر فيها بشكل كبير وغيّر من أساساتها الحضارية.

وبعض المنتمين لا يحمل من كل هذا شيء في البداية، إنما يخوض فيها لقوة حضورها الإعلامية ووقوعه تحت الضغط الشديد إما أن يقبلها أو سيتم وصمه بالتخلف أو حتى إقصاؤه. فبعض التيارات لها سطوة حضورية تجعل من الرافضين لها متخلفين عن الركب، معاندين، منغلقين، مغلفين بالجهل والتعصب. ففي الناس من يقبلها فقط حتى لا يُتهم أو يتجاوب معها على الأقل حتى لا يُطرد عن الفهم الأصيل لواقع ما يدور حوله.

القابلية التيارية قابلية تتفاوت من مجتمع لآخر، ومن جيل لآخر، وطبيعة الحياة نفسها، ففي مجتمع سابق مع ضعف وسائل التواصل وشح الإعلام إلا من شعراء أو قصاصين ونقلة للأخبار إلى وقت الكلمة فيه تكتسح كل شيء رغم تفاهتها، ويسهل نقل التيار والتأثير به على نطاق قد لا يقتنع به في يوم سابق، بل وتكرار الشعارات وتردادها حتى يتشبعها في عقله الباطن من يرفضهاأصلافيسلوكه وانتماؤه. فهي تكبر أيضا بشكل مضاعفلا تنتشر فحسبوتنتشر بقوة، نعم؛ إلا أن المختلف أنه بسطحية أكبر فتحرك الموجات العليا في أنفس أكثر المنتمين بعكس الولاء الأول للتيار حينما يتم الإيمان به بكل الطاقة والشغف. الذي لا يقبل إلا المخلصين وليس فقط المتأثرين.

وباختلاف لغة الأجيال توجد مساحة كافية لزرع أنواع لا تنتهي من الانتماءات الحرة والمعزولة عن الماضي، فتظهر تيارات متبرعمة ومتعددة بتعدد الميول الجديدة وكثرتها. صغيرة وتموت سريعا قبل انتشارها بالشكل الكافي أو قد تتعارض وتتقاطع مع غيرها.

وبعض التيارات الكبيرة قد تمر بفترات ركود لها ارتباط بعوامل خارجية، قد تطول فترة الركود وقد تقصر ثم يتم الإحياء لها من جديد من خلال أتباع حديثين يضيفون تعديلات عليها مما يجعلها أكثر تناسبا مع حقبتهم. فهي تمر بسلاسل حياة وموت بعضها يندثر تماما والآخر تُنفخ فيه الروح مرة أخرى ولكن بدماء جديدة. وربما لا يُحيى عين التيار بل يتم تدويره لواحد آخر يستمد منه أهم القواعد بتطبيقات مختلفة يجعله في طور مختلف.

يستمد بعث التيارات تلمس احتياجات الناس ومعرفة طبائعهم والتعامل معها بشكل ذكي، وخاصة في التسويق لها، فالتسويق يشتغل على نفسية المستجيب أكثر من أي شيء آخر لأنه لا يحتاج أكثر من عاطفته التي هي بدورها ستضل عقله. والتحدي الأكبر لاستمراريتها قدرتها على الإغواء بنفس القوة والذكاء والدعم أيضا، فبعض التيارات لا تقوم لها قائمة دون الدعم السياسي والاقتصادي الذي يسمح لها أن تنبض في قلوب وعقول الأتباع واستعبادهم. بل وقد يتم تشكيل التيار للاستعباد نفسه.

ولا يغيب دور المتابعة في بقاء التيار مرتعشا يتلوى بين الناس، فحينما يخاف المؤسسين على تيارهم يتم إشعال الجذوة من جديد إما باختلاق نماذج دعائية كاذبة، أو باستغلال الأدب والكتابة والبارزين بجعلهم الألغام المتخفية، التي بيدها تفجير الطاقات أو شحذها.

في بعض الأحيان يكون الحماس للتيار صعوبة تواصل مع الذات، أو صعوبة فهم لها، أو الرغبة في تحقيقها بشكل لا مثيل له من قبل، أو فراغ روحي غاب عنه الإيمان الديني، فيكون السعي خلف هدف غايته من غاية الوجود ويكتسب منه أهميته. وربما يدرك أصحابه خياليته، ولكنه يحقق شيء من الإرضاء الذاتي بأن الوقت ليس مهدورا تماما وأن هناك غاية تُشبع أفرادها كما يشبع المؤمنين إيمانهم. ففعالية التيار الواقعية لدى بعض المتابعين ليس هدفا رئيس، إنما الهمة نفسها والسعي لأجل السعي .. وكلما ابتعد البشر عن أزمنة النبوة ازداد عدد التيارات والشعب، لأن التوحد على الوحي يضعف في نفوس البشر، فيحل عنه ما يشغله بطريقة أو بأخرى حتى لو كان من قبل الوهم اللذيذ لا أكثر.

“إن الإيمان بقضية مقدسة هو إلى -درجة كبيرة- محاولة للتعويض عن الإيمان الذي فقدناه بأنفسنا”

”إن فاعلية عقيدة ما لا تقاس بعمقها أو سموها أو صدق الحقائق التي تنطبق عليها، بل بقدرتها على حجب الشخص عن نفسه وعن العالم كما هو عليه بالفعل”(١)

ومن الأطر التي يحددها أصحاب التيار، أن تخرج الأفكار عن نطاق الصوت المسموع إلى اللغة عموما، صوتية أو جسدية، تعبيرية محملة بالإيمان الجديد كديانة تم تبنيها حديثا. وساند هذه الثورة الإحباط واليأس واستغلالهما في المفرزات، والظواهر كنهاية وبداية.

فقد يجنح الإنسان لإيذاء نفسهكما ذُكِرأو لإيذاء الغير بإخراج هذا الكمّ من العنف في الإطار المجتمعي، وهو ما قد يدفعه للاندماج مع جماعات ترعى العنف وتؤطره داخل إطارها الجماعي وفق دوافع أيدولوجية مختلفة، مما يؤثر على تطور السلوك العدواني عند الإنسان، فقد يكون الفرد مترددا في الممارسات العدوانية إذا كان منعزلا، ولكنه لا يتردد في ذلك عندما يتواجد وسط مجموعة تشجع على هذه الممارسات وفق أفكار مختلفة

ما تعانيه المجتمعات العربية من فصام بين إيجاد نموذج سياسي اجتماعي يحفظ لها تراثها التي قامت عليه من جهة، ولا يعيق تقدمها ومسايرتها للعالم الحديث من الجهة الأخرى. الأمر الذي أحدث حالة من الإحباط العام لدى الشباب مع ملاحظتهم لهذا الفشل من قبل الساسة في إيجاد النموذج الذي سيحقق لهم الاتزان، بما في ذلك من أثر سلبي والرغبة في التمرد عليه(٢)

أزمنة التيارات أزمنة صعبة؛ لأنها تنبثق من نفسيات عدة، وعواملها في البقاء التفريق لا التلاحم، تتغذى على الانعزال الجماعي والعداوة للنقيض، وفرض عين التصورات بمن خرجت منه، لتكون سلاحا يشهره في وجه كل مخالف له، بأنه لا يفهم الواقع، وأن الحل الوحيد للواقع أن تنضوي تحت رايته .. التي لا نجاة إلا بها.

تم الرجوع أثناء كتاب المقالة إلى : كتاب مفهوم التيارات الفكرية لجميلة الشمري

١-المؤمن الصادق إريك هوفر

٢-القهر الاجتماعي لسامح عودة