ما مشكلتنا مع كتب التطوير ؟!

6 مارس، 2021

قبل أيام تحدثت مع رفيقة في كلوب هاوس بنفس العنوانخصَصَت الغرفة لأن أتحدث في هذا الجانبووجدت الحاجة بعد الحديث عنه إلى الكتابة فيه والتفصيل، فقبل أن تنبذ أمرًا ما، عليك قبل ذلك أن تعرف أسبابك جيدًا، ومن خلال الفهم الجيد تكون ردة الفعل المناسبة (فليس دائمًا ردود الأفعال غير مستحبة، فهي نتيجة وتأثر طبيعي تأخذ سلبيتها من سلبية التصرف نفسه لا من كونها ردة فعل بحد ذاتها).

وحتى نكون منصفين كتب التطوير أو التنمية الذاتية ليست دائمًا سيئة، أو تجارية، ولا يعني النقد لأكثرها أنها مرفوضة بالمجمل، ولايعني النقد لكتاب ما، أنه كتاب غير مقبول من الجلدة إلى الجلدة، بل له ما له وعليه ما عليه وهذا في جميع الكتب، ثم نحن لا ننقد لأجل مؤلف أو مؤلفين، بل لظاهرة تجتاح كتب التطوير عمومًا، وأسلوب عرضي يحتاج إلى مراجعة حاذقة، خاصة من أتباع ديننا الحنيف الذي لا يعزل النفس والروح عن تشريعاته، فهو يوليهما أكبر الاهتمام والعناية، فنحن نملك المصباح الكاشف، ونعرف المستوى الذي يليق بأنفس هذبها الإسلام، وقرأت نصوصه السامقة وتأملت أمثلته العظيمة في المبنى والمعنى ..

مما لا شك فيه أن كتب التطوير العربية تأثرت  بالكثير من تلك الغربية، وحاكتها إن لم يكن في الإسلوب ففي المنهج العلاجي للنفس، بداية من ذكر رحلة الكاتب في عالم النفس والتعامل مع الكثير من الحالات التي استدعت تدخله فيها، ثم ركون كل من حوله إليه واستشارته، وتقديم أفضل الحلول وأنسبها بما يتفق مع فكرة الكتاب ككل، ولا أذكر خلال اطلاعي على كتب التطوير خلوها من الأمثلة من واقع حياة الكاتب، أو قواعد كلية تم استنتاجها من عرض القصة كخاتمة أو مقدمة لها.

هذا النوع من الكتب يخدم فئة من الناس بأعمار صغيرةغالبا(كما حدث معي)، تجد في هذا النوع من الكتب امتصاص لمشكلات حياتها، أو طبطبة نفسية لما تشعر به من تخاذل المقربين أو فشل وتقصير أو تفريط في الفرص، أو للخروج من أجواءها المشحونة لعالم يقول لها سوف يكون المستقبل مختلف حتميا، سوف تخرج أجنحتك قريبا وستحلق عاليا، وتحصل على ما تريد.

تغفل كتب التطوير أمر جوهريلعلها اهتمت بما يجذب الناس عن الأثروهو أنه الإفراط في التفائل له آثاره السلبية كالإفراط في التشاؤم، وأن الكلمات الحالمة لا تصنع حياة سعيدة، بل وحتى السعادة لا تعتمد على الراحة والنجاح فحسب، إنما على جانب من الشقاء والحزن، ولهذا يتقلب الإنسان بين المسرات والمنغصات بل وقد يبتلى وهو ليس بتلك التعاسة مما ابتلي به، لأن طبيعة الدنيا تصقل بقدر ما تلسع، وتعطي بقدر ما تأخذ، ملتبسة بين عواطف الحب والبغض، والسكينة والمحنة، والراحة والعذاب، والفرح والحزن، وكل ما فيها هو لصالح هذا الإنسان، إما أن يعلمه، أو يردعه، أو يجعل منه قدوة، أو عبرة، أو ذكرى، أو فكرة ..

إن أفظع مرض يمكن أن يُصاب به الإنسان هو ألا يتألم وليس أن يتألم، فانعدام الإحساس بالألم هو مرض قائم بذاته يصاب به العديد من الناس، فيموتون بسرعة بسبب غياب الألم المحذر الموقظ المنبه، وهذا هو أحد أسباب فتك السرطان، لأنه يبدأ وينتشر ولا يعلن عن نفسه ولا يؤلم إلا متأخرا عندما يكون قد انتشر في الجسم، أما الالتهاب فإنه يوقظ ويوجع ليُعالج ويزول، إلا إذا أهمل ودخل مرحلة مزمنة“. (١)

وكما يقول دي موسيهلا شيء يجعلنا كبارا كالألم“.  وكما يقول ليو تولستويإن الإنسان في أوقات اللذة يطفو على سطح الحياة، وأما في ساعة الألم فيدخل في العمق“.

كثير من كتب التطوير تعتمد في عرضها على نصائح معلبة جاهزة، مطاطية، سطحية، قد يربطها القارئ بحياته بشكل خاطئ، وقد يأخذها بشغف اللحظة فيجعلها حاكمة على تعاملاته وحياته، فيستثني الأشخاص لراحته، ويقطع رحمه الصعب معه، كي لا يتغير عليه مزاجه، ويبالغ في التفائل لدرجة تمني المستحيل وانتظاره لسنوات، وكم غرّ قانون الجذب من إنسان، ظن أن استدعاء أفكاره لرغباته، الفانوس السحري الذي يمكن أن يطلبه أي أمنية، ويخاطبه بكل حلم.

فمن بين ما أبرزته كتب التطوير تأثير العقل الباطن، إلى درجة تقترب من تأليهه، وكأن المقادير تحت تصرف هذا العقل، ولا علاقة لها بالظروف الخارجية أو أي تأثير خارجي، ومن مساوئ تكهنات مؤلفي التطوير أن نفس النصائح لم يتم اختبارها بالشكل الكافي لتخرج كنموذج مستقر في المعالجة أو التعديل، ومن قبل أنفسهم قبل غيرهم، فأحيانا يجزم لك بصحة ما يسرد وأثره على النفس والنجاح أو زيادة الثروة، ومع ذلك هو عالق في مشاكل لا عد لها، أو فاقد لعين الشيء الذي جزم بحصولك أنت عليه. كما يقول المثلباب النجار مخلّع!”.

نحن أمام صناعة نفسية يخالطها الخلل في كثير منها، وهذا الخلل شكل نفسيات مشوهة، حالمة إلى حد المرض، متقاعسة، متواكلة، تنتظر نتائج عقلها الباطن وكأن القدر سيستشير العقل الباطن أترغب بهذا؟. انتظر كلها أيام وسيأتيك الطير الذي تمنيت على طبقك مشويا. كل ما عليك الانتظار!.

وبعض العبارات تفقد بريقها خاصة حينما يتأكد الإنسان بأن الواقع ليس تماما كما تؤكد، خاصة إذا كانت تملك سجعا ما، أو مستوى إنشائي عالي يجعلك تنبهر بها ثم لا تغدو أكثر من زبد يذهب جفاء.

وليست مشكلتنافقطضعف العبارات، فهذا قد يكون مما يغفر إذا قل، ولكن الذي تتركه مثل هذه العبارات، هو بأن ترفع السقف الطموحي تجاه الحياة الدنيا، فيظن الشخص أنه ينبغي أن يعيش حياته كاملة هنا، مستحقا لكل ما يريد، وليس فقط باحثا عما يريد، وجميع أحلامه لا يصيبها الخطأ لأنه اختارها بكامل رغبته، وتقوّت في أعماقه، وتملكت شغاف نفسه، فهو يريد العيش بفرح مستمر لأنه يستحق الفرح الذي اختار، ويختار المنزل الفلاني لأنه يستحق هذا النوع من المساكن، ويرفض الفقر لأنه لا يستحق سوى الغنى، ويتحسر من المرض لأنه يستحق في الأصل الصحة والعافية. فيتم علمنة الرؤية للحياة بسبب تأثر كتبنا بمنبع علماني جاء ليخفف من الحزن الذي يتركه شره الدنيا على أهلها، لذلك إذا تبناها مسلم خرج بهذا الاستحقاق المتضارب مع ذل العبودية والتسليم لأمرالله وتدبيره، وقد ينتكس في مرحلة ما إذا زاد التضارب وكان تشبعه لقيم الاستحقاق بشكل أكبر، وربما أدى به هذا إلى أن يذم الدهر والقدر ويشكك في حكمة الله، فينقلب التعزيز بنتائج عكسية كان من أعظم أخطارها أنها غذت عظمة الذات بشكل متطرف.

لن أتكلم عن السبب التجاري لانتشار الكتب الغربية ولا عن ضياع البوصلة الدينية والتعطش لها لتغذية الروح وإحلالها محل الدين في النفس فهذا لا يتعلق بنا نحن كما يتعلق بهم، إنما عن أمر ملحوظ وهو تأثر الكتب العربية بالمذاهب الباطنية وبعض الفلسفات الغربية، التي تخرج نظرتها للمستقبل بما يشبه الكهانة والسحر، ويضر العقيدة، فالمجتمع حينما يلجأ إلى تصيد الإشارات هنا وهناك والبحث عن دليل فيما لا علاقة له به، قد يتحول تدريجيا إلى مجتمع واهن منفصل عن فكره وواقعه، وإذا قرأه قرأه بالأنفس المختلفة لا بالقيم الثابتة.

حينما وصى الرسول أمته خرجت الوصايا ملائمة لطبائع البشر فعجنتهم بعجينة التواضع، لينظر المسلم من زاويته الخاصة إلى السماء مباشرة، عارفا حجمه الحقيقي وأنه خطآء، نساي، عاجز، وهذا العجز هو ما منحه القوة في العمل، والعظمة في التعامل، والتوازن في النظر بين أثر الخالق والمخلوق.

الإقبال بشغف على كتب التطوير المعلمنة، دليل توهان في رحلة الفهم، مكن لنوع من الكتب هزيل أن يكون المرشد والقائد، خاصة إذا كان التطوير لا يتعدى سقف الحاضر أو المستقبل القريب، متناسيا أن الإنسان لم يخلق لهذا، ولا لراحته، ولا توجد حياة بلا مرض أو فقر أو ظلم .. وأنه لو تم تحديث عقلية كل البشر بمثل هذا النوع من الوصايا سيبقى العجز كما هو ليكشف بشكل صارخ حقيقة هذا الإنسان. وأنه خلق متنقلا من طور إلى طور، وعجز إلى عجز.

ولتفهم الحياة من فوق تأمل قول النبي :  “ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها..” وقول الخليفة عمر بن عبدالعزيز :أيها الناس، إنما خلقتم للأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار“. وقول بعض الحكماء :كانت الدنيا ولم أكن فيها وتذهب الدنيا ولا أكون فيها فلا أسكن إليها فإن عيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو بلية أو منية قاضية‏”.

هي رحلة عابرة تستحق التضحيات الكبرى لهناك وليس لهنا، وما كان نقص الإنسان عيبه، بل طغيانه الإنساني رغم كل العيوب.

(١) مقالة أن نتألم أو لا نتألم-الوطن.