اغتراب الروح.

25 مارس، 2021

قلب الإنسان مستودع أسراره وأفكاره وعواطفه التي يحركها أكثر من باعث، ويستثيرها أكثر من مثير، ويصنع من مواقفه انتماءات، ويخلق من ركام الذكريات توتر الحنين، وانتفاضة الشوق والرهبة والرغبة والغربة ..

لا شيء يربط الإنسان بحاضره وماضيه قدر معرفة الذاكرة، وانطباع التاريخ بتفاصيله في العقل والوجدان واستدعاء صورها لتبوح بقصص الاستمساك بهذا الحبل الممتد والقادم من بعيد، منذ الإنسان الأول وشعوره بأنه لم يعد من أهل السماء بل من سكان الأرض، وأن التحولات أكبر نقلة كانت له منذ أن انبثقت آثار الحياة فيه.

حينما هبط آدم، أدرك منذ الوهلة الأولى أن طبيعة الأرض قاسية، حتى التنعم فيها مشروط بالكثير من الشروط الصارفة عن اكتماله، فيغدو الحب مدعوما بما هو خارج عنه ليبقى، والوفاء محاوط بطاقة تحتاج منه البذل، والعطاء تعوقه أزمنة الشح ومطبات تحويل المسار. أدرك أن خشية الأول، مع صعوبة السبق بالسير على الطرق غير الممهدة، وحداثة العثرات المصاحبة، تحثه في كل ذلك خبرات لم ير ثمرتها بعد، فيبدأ ويُعَلّم، ويكون الفلاح والراعي والتاجر وصاحب الثمرة متنقلا في أدوار فرضها عالمه الجديد والذي هبطت معه دوافع الاكتشاف مغلفة بقدرات تشابه صعوبة هذه الحداثة التي في قلبها مكتوبأن النهوض مستمر” .. فإمكانية الانسجام مع كل ما يواجهه، ومعرفته بأنه ما خلق للشقاء، وأن بداياته مرآة للنهايات، تميزت مرحلة جزءها الأول تعب والآخر تضحيات قادتها معرفة.

كانت في بداية استقبال الأرض بركة منح لا تتكرر في الأزمنة، تنقل الإنسان في أحضانها عالما بأنها تحاول أن تجذبه للموائمة، فالتكيف كان بحاجة منها إلى استسلام، واستدراج بالعطايا حتى ينسجم مع قصته ويكتب معها سطره الأول بجرأة من عرف اللذائذ بقلب طري لم يتصحر بعد ..

غاص القلم في بحر من الحبر وكتب على جبين الوقائع، أن هذا المخلوق لا يسعد إلا إذا اقترب من طبيعته أكثر، وتشكل بالشكل الذي يناسبه حقا، فعرف حينها أنه لا يستطيع التمثيل وإن أجاده كموهبة قابعة فيه، فهو يعتلي المسرح ومع ذلك يختنق إذا عاش نفس الدور خارجه، أو استمر بأن يكون الممثل يطارده الجمهور في كل مكان، وكأن هالة الحزن تقول بأن الابتسامة منتحلة والقلق فيه الأصل.

لا يملك هذا الإنسان أن يراوغ حقيقته، لم يُخلق كائن الليل للنهار ولا مخلوقات البحر لليابسة، ولا ما وجد لهذا الكوكب لما هو في السماء، تتجلى الطبائع فرض إلزام وتثبيت، فيبقى ما هو عليه لما هو عليه كما وجد عليه، وإن تزعزع شيء عاد إلى الأصل بعد زوال التأثير أو تحرك من حيز الراحة والسكينة إلى محل الفوضى وانحسار الطمأنينة والأمان. ولذلك يقلق ويضطرب ويغترب.

اغتراب الروح لا ينفصل عن اغتراب اختيارات الإنسان فحين لا يميز بين ما وجد له وما كان وسيلته وبين ما هو غايته وانتهاء محطاته أجمع، ثم يجمع من هنا وهناك ما يرقع به ثوب حياته حتى لو لم يشاكلها، فيتمزق به الثوب ولا تحمله قواه، ويعرف أن الغربة تطول الأرواح كما تطول الأزمنة والأمكنة. فيخفق كثيرا، وينسى أنه أهبط من جنته، وأنها في انتظاره لاعتلاء الضوضاء وانغماسه فيها حتى لم يعد يسمع أي صوت في أعماقه يقوده لها.

تتحطم جميع الصخور أمام جبروت طغيان المادة، فيمد الغريق يده متشبثا بسبل النجاة التي هي للهلاك، ولا يخرج من أنقاض وقته إلا بركام ما لا يحتاج فيجعله يغرق أكثر. فمسيرة من بدايتها لم يكن في الحسبان هذا الهلاك، وإن حصل كعارض لم يستشعر أن نفس الوسائل التي يهرب بها هي التي تزيد من إيغاله. وهذه مفارقة أخرى من سوى مفارقة ابتعاده عن جوهره ليسعد فيشقى. وعلى ضفاف تقصي الواقع تلامسه ضرورة التغيير وهو لم يتعلم بعد أن التغيير إن لم يتبع وجهته الصحيحة كان سببا لفقدان جديد.

الإنسان حينما يطلق العنان لنفسه، تستولي عليه رغبة الكمال، تعجبه أقصى الحالات فلا يرى من المساحات الشاسعة، واللذائذ، والجماليات إلا حقوقا، لا تكتمل حتى لو اكتمل نصيبه منها، لذلك لا يملأ عينه شيء، ويبقى رهين الطلب، ولعل هذا ما يجعل من منغصات السقم والألم فصلا يحتاجه ليشذب به زوائد تطلعاته، والتي كان من بين أكبر سلبياتها أن أخرجته عن بشريته إلى آليته. وجعلته نسخة من نسخ كان ظنه منها الاختلاف فتاه في محيط لا نهاية له من التشابه. وكيف لا يتشابه من هو تحت رحمة الصور والأفكار حولها حتى استعبدته بزواياها الحادة، وحدودها الفاصلة بصرامة، وتلقائيتها اللاتلقائية، لدرجة توقع جميع الاحتمالات والحركات والأشكال قبل معرفتها.

غالب ما ينتاب هذا القلب الحي يدور في فلكالأحسنأي الصور أحسن، أي الطرق، أي المستغرقات، ولا يكون هذا البحث لأيها “أجدىفيعود بالحرمان كما ذهب، ويمشي النقص خلفه كظل. ومن هنا تأتي رحمة الفهم لحقيقة الروح والحياة وأنها على خط سير عظيم كان منذ تماس القدم التي دخلت عالمها السفلي، ورأى الكائن البشري أنه أتى لأسباب محددة لن تطول ولن يطول معها بقاؤه، لذلك عليه أن لا يشقى كثيرا فيما لم يُسأل عنه، ويتمالك نفسه أمام طفح خفيف لمسرات عاجلة، لو التهمها بكل قوته التهمته بكل شراستها وفَرّط بفرصته الأخيرة لتصحيح خطه الأبدي ..

من الشقاء العاجل أن تستلهم النفس مما يسرق من ركودها الإيجابي انجذاب لما سيكون سببا لعذابات مبطنة، فيأخذ صاحبها وسائل التسارع والشحن والضغط والتشويه والتدمير على أنها منح جاءت لإسعاده في رتابة أيامه، فيغضب على ما لا يستحق الغضب، ويبكي على هوامش لا يستقبلها أي كتاب كوني إلا في أدنى الدرجات، هذا بالإضافة إلى الصراعات وقوالب التشويه المتكاثرة وطمس الحقائق ونزع الكلمات عن معانيها وقلب الأفكار والمهمات لدرجة انتكاسة تستعصي على طبعه الفطري أن يفسرها، فلا يدري بأي الشرور يبدأ من مجملها أم تفصيلها الدقيق الذي قاد للمجمل وعكر النقاء بكامله.

لا يصمد لما يحدث لكائن اليوم كائن الأمس رغم صلابته، فهو لن يفهم كيف انحدر كل شيء وتشرذم عن ذاته بصور يصعب تفكيكها، سيبقى عالقا في نقطة (كيف حدث كل هذا؟ أيعقل أن يضر هذا الإنسان نفسه بنفسه، وفوق هذا يبتسم؟) ثم لن يتجاوزها لأنها الأساس في كل ما يحصل، فمتى ضر الإنسان نفسه، ولماذا يضرها بهذا البرود، يعني على وجه الدقة متى تحجر قلبه في أي وقت؟.

تستوقفني الكثير من العبارات لتجسيد مأساة الجسد والروح وألمح التشابه بينها، كأن الإنسان يئن في كل مكان من نفس المرض. فهو يشكو الوحدة، يبكي السرعة، يتأوه من عدم الفهم، ينادي لمن ينقذه من أوجاع الحيرة المزمنة، وتدمع مُقَله على رؤية صور الانفصام بينه وبين صفاء الطبيعة الوادعة. يتلوى ولا يجد المهرب، ضحية سعيه الدؤوب في فجاج شاسعة تأخذه إلى الحيرة واليأس، ثم يعود لنفس ما توارى عنه بذاكرة تقوده للحظة تصديق الشيطان حينما حلف ولم يكن يتصور حينها أنه سيحلف كذبا، وها هو اليوم يحلف له في اليوم أكثر من عدد أنفاسه ويجزم له بسعادة تخفي خلفها سبب اغترابه الجوهري.

ومما لا شك فيه أنه إذا فقد إيمانياته كلها وزاد ضغط الجذب وترائى له حلف الشيطان في كل خطوة لن يتحمل بقاؤه على هذه الدنيا سيرغب بانعتاق الروح عن الجسد بأي ثمن، المهم أن تخفّ عن أحمالها وتطير .. ثم كتوقيع أخير .. لا تطيرهنا المأساة الأبدية ..

لماذا يصبح الناس نفسيا أقل شعورا بالاكتفاء عندما تتوافر لهم متع الحياه المادية أكثر من ذي قبل؟ لماذا تزداد حالات الانتحار والأمراض العقليه مع ارتفاع مستويات المعيشه والتعليم؟ ولماذا لا يعني التقدم مزيدا من الإنسانية أيضا؟(١)

تتألم الروح مثل الجسد .. في بعض الأيام تظهر جميع الندوب على الروح، وكل الأوجاع القاسية، والتي هدأت مع مرور الوقت، كما تظهر قبل الأيام العاصفة، بعض الرضات القديمة، أو يتوجع العظم من ضربة كانت قد حدثت أثناء الحياة الطويلة، ونسيتفي تلك الأيام تكون بمزاج سيء، ومحاصرا بذاتك وروحك التي فتحت جروحها، لكي تذكرك بأن لا شيء يضيع ولا شيء يختفي حتى أقل الآلام والذكريات البشعة .. إنها تخبو فقط، وتنسحب إلى أعماق مجهولة، كما سوف تنسحب هذه المرة، وسترونها بأعينكم فيالمناسبة القادمة”.(٢)

إن الحياة الإنسانية تكتمل فقط عندما تشتمل على كل من الرغبات الحسية والأشواق الروحية للكائن البشري. وترجع كل الإخفاقات الإنسانية لإنكار الدين الاحتياجات البيولوجية للإنسان أو لإنكار المذهب المادي لتطلعات الإنسان الروحية”. (٣)

إذا صح أننا نرتفع من خلال المعاناة وننحط بالاستغراق في المتع، فذلك لأننا نختلف عن الحيوانات. إن الإنسان ليس مفصلا علىطراز داروين كما أن الكون ليس مفصلا على طراز نيوتن”. (٤)

(١)،(٢)، (٣)، (٤) علي عزت بيجوفيتش