الوقت أنت.

28 مارس، 2021

قديما كانت للحظات أبعاد أعمق، تمر الدقيقة بثقلها كاملا، تعطف الساعة الكثير في قلبها، يتنفس المرء بركات الوقت وكأنه البندول والساعة والحائط.

حينما تُدار أموره يدرك أن لليوم ثمن حياة مُنحت له عطية البقاء لإكمال الأمانة، يزرع في الزمن ويحصد وهو كما هو ثابت الجنان والبنان قوي الارتباط بهذا الكون الرحب. فالسماء مظلته والأرض بيته ومدينته لها ومنها يمتزج ويرفل بالنعيم ..

أكتب عن هذا المبارك وأنا أركض خلف المهام المعطلة في تمام الخامسة صباحا إلا الربع، أشعر أن تفاصيل اليوم حينما زادت عن حدها السابق أصبحت بتوحش كائن غريب يطاردني طوال الوقت، ثم أقف على أطراف العقارب أريد أن آخذ بعض أنفاسي الشاردة من كل هذا السعي ولكنها تبتلعني. لم تعد من أبجديات الحياة رحلة التناغم الهادئة، أن ترتشف إبريقك وأنت تتأمل ذراته المنسكبة في الكوب ثم تبتسم في امتنان، أو تقف على باب بيتك ولا تدخل حتى تفكر بنعمة العودة وأنك نجوت حتى من نفسك في الطريق، أو تنام وتعد الآثام التي ألحقتها بصحيفتك وتنزل عليها قطرات باردة لتطفئها وتحيي قلبك.

الغريب أنك خلف هذه الملاحقة المستمرة لم تعد تشعر أي كائن تم استعبادك، كيف كنت وكيف أصبحت، وماذا تبدل بالتحديد. رغم إدراكك أنك لم تعد أنت بكل ما تحمل من مضامين قديمة عالقة فيك. تمت سرقتك بجدارة، لدرجة أنك أصبحت أسيرا يمضي، مكبلا يبتسم، يضحك ولا يدري لم، وينازع البكاء وهو لا يفهم السبب، وعلى هذه الحيرة بين حالاتك .. تم برمجتك على ألا تشعر بكل ما يحدث.

يتم انتزاعك عن تفاصيلك، كانتزاع الروح من الجسد، يتم تهميش كل ما ينبغي أن تفكر به، يتم السطو على ذكرياتك التي اكتسبتها من أسلافك، وتعتيم الحياة فوق نظارة عينيك حتى لم تعد ترى إلا ظلالا معبئة وخيالات كأنها سراب لا يروي من عطش.

الفطين قبل غيره لا ينتبه كم جرفته الأشياء، وهو على قاربه يحركه الموج يمنة ويسرة، يريد أن يصل لكنه لا يتجاوز الدوران المركزي، نفس الانشغال بالدوائر البسيطة جدا تمنعه الالتفات إلى الوجهة المقابلة.

لم يعد شيء في محله الطبيعي، الملهيات تشتت الانتباه، الصور تتداخل، العبارات يتم تدويرها بشكلٍ اكتساحي وكأنها رياح عذاب القرون الأولى. حتى وإن تشبثت بأقصى قوتك، لابد أن يأخذ غضب الريح جزء منك.

حينما كان الإنسان يفكر في كل خطوة، كان يستنتج النهاية لأنه كان حاضرا بكل وعيه في البداية، أما الآن فلا يستحضرني في هذه اللحظة إلا قول النبي ﷺ وهو قول بعيد في أعماقه وتعريته للواقع الآتي “ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام” هو ليس مجترئ على الله فحسب بل مشتت القوى، خائر العرى، تم جرفه لضفاف بعيدة ونزعه عن ذاته وبداياته من حيث لم يفكر. وقوله ﷺ “يتقارب الزمان ويظهر الجهل ويقل العلم” فرغم تقارب الزمان وسهولة النقل بكل صوره ستجد أن النتيجة عكسية بخصوص ما يُتَوقّع من تسهيل كل شيء، فأن يُظَن أن الدين سيكون أكبر والعلم أكثر، لا يكون كذلك لأن الذات تم تجريفها بهذا التقارب وتعويمها وتكرارها بطبع الذوات فيها فتوهن وتستسلم لواقع الضعف الضاغط والجهل الفاشي، ويصبح الجو العام جو تفلت وانهيار عزائم. ولا أشك في أن نزع بركة الوقت رغم تذليل كل شيء في هذا الزمان ليس إلا دليل على أن القدرة والألوهية لله، وهذا دليل برهاني ملاحظ، فرغم زيادة قوة الإنسان لم يتغلب على نفسه، ورغم تأديته لذاته بقي عاجزا أشد العجز عن الكسب في يومه بقدر ما تمكن إنسان الأمس رغم أنه لم تكن بيده أي وسيلة حضارية كما الأخير. تعرية الإنسان مما يملك ووقوفه بجانب العجز وضياع الأمور عن سيطرته سمة أزمنة الفتنة، وسمة شهوده التغيرات الكبرى في الحياة الدنيا، فهو وإن حرص على اجتناب كل شيء والبعد عن مسببات الفتن سيناله هذا التشتيت رغما عنه، الذي لم يدع بيتا إلا دخله، ووسائل العزل عن الذات ليست في هاتف محمول أو غيره، بل في أدمغة تمت تهيئتها لقبول فرص جديدة تعتمد في كل شيء على الأجهزة وتخديرها.

عند التأمل، رغم أنا نملك الكثير إلا أن الضياع سمة لا تنفك عن اللحظات، مفقودة كثير من المعاني فيها، بعضها لم يرتدي انتماءه الصلب، والآخر لا يلامس الرضا الداخلي كما يجب، برود مصاحب، وأحيانا التفكير في لاشيء فقط للبحث عن ذلك المفقود المموه، السعادة لم تعد بكامل عفويتها، والسكينة ناقصة بركتها، وشيء ما يركل الأحداث لتبدو وكأنها غير مكتملة ..

فرق بين أن تركب قطار رحلتك وتسير فيه بهدوء وتراقب الطبيعة وترصد جماليات الخارج مبتسما مشرق المحيا تنجز واجباتك فيه على مهل إلى أن تصل وأن تنتقل من عربة إلى أخرى تسابق العجلة والأنفاس حتى لا تفوتك طائرتك التي توشك أن تقلع، فما بالك لو كانت حياتك تنقلات مستعجلة وأهم ما فيها تلتقطه وأنت لا تدركه بقواك ولا تستطيع.

نفقد الدهشة والتروي وجانب كبير من اللذة، لدرجة أن النعم لم تعد تحرك فينا شعور الامتنان، وكأنها استحقاقات تعودنا أن تتوفر، كيف، متى، لم، لا توجد مساحة في عقولنا لمثل هذه النقوش الزائدة، فكل ما سوى المحسوسات سيسقط عن أمزجتنا اللزجة والتي فقدت ثلاثة أرباع الصبر. أصبح التحدي الأكبر أن تحاول أن تعرف من أنت، ولماذا أنت، وتراقب تدبير الله لدقائق أيامك، تلمح الرحمة، تتوجه بقلب شاكر لتقول يا رحمن هبني المزيد فأنا أتقلب في ألطافك، وأنت قلت (لئن شكرتم لأزيدنكم). هبني المزيد لأكون حاضرا بقلبي وفكري أثناء حضور الجسد وشهادة الجسد، ألا أفقد ذاتي وهي تلهث في المحطات والتنقلات وأرتبط بصورة الأصل وغايتها.

“الوقت صناعة الهادئين وعذاب العجولين ومسألة التائهين .. الوقت رفاهية المطمئنين ورعب المنتظرين وفلسفة الواصلين .. الوقت أعذب أمنيات الوصال وأصعب بوابات الفراق .. الوقت أنت حينما تملك حالك، والوقت غيرك، حينما تنتظر أمرك من غيرِك .. والوقت هو الوقت .. عداد العمر السائر نحونا قُدُما مهما استخفينا منه أو استبسلنا شُجعانا ساعةَ لقياه”. -راقية جلال.