هوس الجمال.

1 أبريل، 2021

الهوس، طرف من الجنون وخفة العقل. نزعة لا تُغلب، توق شديد، تنقل سريع مضطرب. في الهوس لا يكون المرء على طبيعته، تدفعه رغبة لا يملك مقاومتها، تستولي على عقله ووجدانه وتتحكم فيه، لذلك هو رسول الانهيار في الحاجات التي تثيره، وسيلة البقاء في أفكار مضخمة تُضخ في عقل المهووس وكيانه حتى كأنه لا يوجد غيرها، فلا ينظر لجوانب الحياة الأخرى بقدر ما يشده ذلك الشيء الذي هوس به، ولا يجذبه شيء بقدر ما يجذبه ويستدعي انتباهه.

أما الجمال فصفة الحسن والفتنة، دافع من دوافع سرور النفس لشعورها بانتظامه وقدسيته، فهو سحر وبهاء، ورونق متناغم، فأن تحكم على جمال شيء أنت تحكم بحيازته لشيء من الحسن والتناسق، وإذا كان في المرأة كان حسن ودرجة رفيعة من الزين، ألبسها الله إياها.

لماذا الهوس بالجمال بالذات؟. لأن النفسوتحديدا المرأةفطرت على حب الحسن والأحسن، تتطلع باستمرار لأن تكون المنافسة الدائمة فيه، فمتع الحياة وبهرجتها سماها اللهزينةوالمرأة التي هي من زينة هذه الحياة وصفها بأنها منشأة فيالحليةوالحلية هي الزينة، فهي لا تستطيع العيش بلا زينة، تُزين طفلة، شابة، في زواجها، بيتها، أمام الناس، وقد لا تفارقها الزينة بحال من الأحوال لما تَكْمُل به منها، وتدعم به أنوثتها، لأن الأنوثة تستمد قوتها من حسنها، ولا تكون بالشكل الآسر حتى تكون على الشكل الجميل، فلا أنوثة بلا جمال، ولا أنوثة بلا تجمل. ولكن في حالات قد تخرج حالة التجمل عن وضعها الطبيعي وتدخل في دائرة الهوس التي تستدعي منها أن تحاول التحسين بشكل هوسي مضطرب، فتستغل ما تصادف من أدوات للتجميل بما يوافق إمكانيتها المادية وقد يتجاوز هذا طاقتها الجسدية لما ترغب فيه من التحسين الأسبوعي أو الشهري ولنفس الملامح والتفاصيل فتبحث ما تغير به طبيعتها لما يتفق مع أذواق المجتمع الجمالية فتجري باستمرار خلف التعديلات التي قد تضر الجمال نفسه من حيث لا تشعر لأنها واقعة تحت تأثير الهوس الذي لا يريها حجم الضرر بالشكل الكافي .. “الغيرة تزيد حماس السيدات، كما أن الوضع المادي يلعب دورًا سيئًا، كونه يساعد على التغيير الخارجي بسرعة“. (١)

تنصاع المرأة لتأثير الدعاية في ذلك، وقد يشدها النهم إلى التشكيل المستمر لمظهرها بما يتفق مع السائد والمنتشر حتى دون مسائلة داخلية، هل هذا ما أرغب به فعلا؟!

إعلانات الجمال تلعب على فكر الفرد خاصة إذا كانت شخصيته هشة تتقبل الايحاءات كما أن عدم النضج والوعي يدفع الفتيات إلى مثل هذه الخطوات التي لها آثار اجتماعية تظهر في نشاطاتها الاجتماعية والوظيفية والمدرسية والأسرية“. (٢)

وهذا المنتشر في صف النساء من أسبابه الرئيسية السعي الدؤوب إلى الكمال، أما محددات الكمال بالنسبة لها ما يشرحه الإعلام بمظاهر السيدات فيه، فهي لن تخرج عن الجو العام والسائد الذي تم تعزيزهأيضافي مخيلتها وأعماقها حتى أثناء الحكم عليه وليس لاختياره فحسب. فلن ترى أنها على مستوى عالٍ من الجمال وإن كانت تتحلى به حتى يرتبط بالنموذج العالمي المثالي. لذلك تُرْهَق الكثير من النساء ويعانين الإحباط إلى أن يصلن إلى ما يردن، ومشكلة الهوس أنه لا إرضاء له، فلا يتم الرضى أبدًا، وإن حصل الثبات على مستوى رفيع، ذلك لأن الرضا يعني الثبات، ولا ثبات في جمال اليوم فهو مضطرب باضطراب السوق الاستهلاكي وحاجته، والصور التي يرشحها للبروز فيه كل مرة.

بدأت تلك الثقافة مع انتشار واسع ووفرة للسلع الاستهلاكية في الحياة اليومية للناس من مختلف الطبقات الاجتماعية، وأشعل هذا الاستهلاك تغيرات الذوق العام في الأزياء والمظاهر، ورسخت من خلال تطوير البنى التحتية والمؤسسات والممارسات التي استفادت من الأسواق الجديدة، مثل: الإعلانات، والتسويق“.(٣)

تتلاعب الإعلانات بـ«صورة الجسد» فتضع الناس تحت ضغط صور مثالية، ثم تقدم عروضا ترويجية للجسم بإفراط في التبسيط والتخييل، تصور تقنيات التخسيس وجراحات التجميل والملابس وأدوات الزينة وغيرها على أنها ستجعل الناس ينظرون للشخص نظرة مختلفة، وستسهل طريقه للمتعة المنشودة“.(٤)

ومما يحفز عدم الرضا هو ارتفاع سقف المثالية، فهي تملك تصورات مبالغ فيها عن الشكل الخارجي المنشود وستسعى له بكل اندفاع، ومما سمعت وقرأت خوف كثير من البنات من الشيخوخة وعجزهن أمام طرد الأفكار السوداوية تجاهها رغم أنهن في أول مراحل الشباب، مما جعلهن في حالة هوس تجاه الاهتمام وتوجس شديد من مرور الزمن وكأن الزمن عدو لا آلة امتحان. وكأن الحياة كلها في هذه الدار. ولكني أجد العذر لما تتعرض له المرأة من خلال ترويج النماذج البصرية عليها باستمرار، فهي ترى أن لذة الحياة ومتعتها لن تكون إلا إذا كانت على درجة خيالية من الجمال والنضارة الفائقة طوال الوقت، مع سحبها لأوضاع النساء المروجة –وهن بكامل زينتهن بتضليل وإخفاء للعيوب- على حياتها الخاصة بحيث تشعر أن مجرد استدعاء ظهور علامة صغيرة دليل على أنها لم تعد تصلح لشيء، وأن السعادة ستفارقها للأبد.

يوجد ضغط شكلي يتم به تحطيم الكثير من النفسيات التي تعودت أن تراها بابا للذة والفرح، وأن فقدان جزء منها ما هو إلا بداية البؤس والشقاء، مع أن لكل مرحلة عمرية طابعها الفريد، وكل تفصيلة في الشكل تحمل من الدلالات ما يعجز عن فهمه صُنّاع الجمال الوهمي، الجمال البلاستيكي، الذي يختزل المرأة في الدمية، ويلغي الروح وانعكاسها بنورانيتها وجاذبيتها وفرادتها.

إن الملامح التي تبيح أسرار الذات المعنوية تكسب الوجه جمالًا وملاحة مهما كانت تلك الأسرار موجعة وأليمة. أما الوجوه التي لاتتكلم بصمتها عن غوامض النفس وخفاياها فلا تكون جميلة مهما كانت متناسقة الخطوط متناسبة الأعضاء“. (٥)

الجمال هو ما نراه فنودّ أن نعطي لا أن نأخذ. هو ما نشعر عند ملقاه بأيد ممدوة من أعماقنا لضمّه إلى أعماقنا. هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة. هو أُلفة بين الحزن والفرح. هو ما نراه محجوبًا ونعرفه مجهولاً ونسمعه صامتًا“.(٦)

هذا الجمال ليس موردا للاستهلاك، أو موضعا للهدم والإنشاء، هو امتزاج بين نقاء روحي خالص، ومسحة جمال ربانية صافية، يستمد الوجه نضارته الأبدية مهما تقدم العمر، وتستمر جاذبية الشكل والروح وكأنها تغتسل بأنوار السماء كل عام، المهم جَمِّل قلبك وركز في العناية به وهو لن يخذل صورتك.

(١)،(٢) مقالة هوس التجميل ماذا يقول علم النفس.

(٣)،(٤) مقالة غزو ثقافة الاستهلاك لمجلة البيان.

(٥)،(٦)جبران خليل جبران.