أن تفلت يدك وتتبع أثري!

7 أغسطس، 2021

 

كان الليل هادئًا، يتنفس ببطء فوق رأسي، عيني يكسر جفنها نعاس سليط، برتابة شديدة أعلّق عباءتي 

أسمع صوت خطوات متعجلة عابثة، أخي المراهق بصوته الجهوري الغريب يدمدم كلامًا غير مفهوم 

كل شيء عادي، كل شيء كما ينبغي.

 دلفتُ المطبخ، ألقيت تحيّة عابرة على الخادمة، و تراخيت على الكرسي بكسل أقلّب الرسائل

 كلمة واحدة اختطفت عيني: تعرفينها؟ 

دخلت المحادثة متوقعة أي شيء، و كل شيء إلّا أن أقرأ:

 “إنا لله وإنا إليه راجعون انتقلت إلى رحمة الله اختي (هناء)مساء ليلة البارحة”

اعتراني أسف طفيف و أنا أفكر: ياااا الله! توفّت ابنة عمها و سميّتها! 

يختطف اسمها عيني مرة أخرى، أشعر ببرودة تلعق دمي فتحوّله إلى جليد

ازدرد ريقي و أتوقف عن التنفس

تخفت دمدمة الحياة و يسكن كل شيء حتى صوت عقلي

أدخل على صندوق رسائل أخيها و ما زال الأمل كبيرًا بحجم السماء وأكتب:

أخوي، هناء الدكتورة؟ 

لا، هناء أختي، هناء عبدالله الماضي.

تنهار ناطحات العالم كلّها على رأسي، أعود أؤكد: 

أخوي الي تخصصها إدارة أعمال؟! 

رسالة واحدة هشّمت بناء عمري، حطّمت قلبي و أرسلت شظيّة منه إلى العدم:

 اي نعم، ادعي لها.

لا أذكر سوى ذراع أختي تثبتني برجاء و خوف و أنا أشهق، أبكي بكاءًا مروّعًا لا نفس فيه

أمسك بالأشياء بتخبط محاولةً الاتزان، أحاول أن أفلت من الهوّة العملاقة التي تريد ابتلاعي، عقلي يصرخ: 

ماتت هناء، ماتت هناء!

و قلبي يصرخ على إثره:

 لا، لا، لا!

يومان من عمري مضَت و أنا مسلوبة الروح، تنسكب روحي من عينيّ حممُ عذابٍ

تحتبس في فؤادي الشهقات و أفلتها بالكتابة أنفاسًا متقطعة، أخاف أن اطلقها بكل قوّتها و جزعها فتتمزق رئتاي و أغرق في دم أشلائي

اسأل الكون، و السماوات المرصّعة بالملائك:

 لمَ رحلت يا هناء، لم العجلة يا ابنة الشباب و ربيبة الترف؟

أتحطم عند عتبة الأمل ألف مرة خلال يومين فقط، يضربني اليأس أقوى ما يكون

 فأعود اسأل أخوها: 

أخوي أنت تقصد هناء الكاتبة؟ هناء هناء التي يذهب يومها مذاكرات و قراءة و دعوة؟

 تصفعني الـ نعمبأشد قوتها كلّ مرة، شلالات عبرات تسيل من فمي على صورة زفرات حارقة: يارب رحمتك، يارب.

هناء حبيبتي، هناء الشموخ، و السهولة العذبة!

هناء العناقيد الدانية، المصنوعة من تفاعلات النور:قرآن وسنة!

 هناء التي قطعت مفاوز الفلاح بعزيمة و اصطفاء، هناء الحكمة و التأني!

هناء التي رُزقت الهداية بعد دعوة ماطرة فأعطت روحها و دمها و وقتها لدينها الذي ملئ عليها شغاف قلبها و فاض حتى طُبع في كل شيء تلمسه، هناء البناء البديع،عزيمة شاهقة و أخت قلبي!

هناء التمرة الحلوة التي نبتت في تربة نجد، بيدَ أن لا شيء بها يشبه الأرض!

منذ عهدتها في تطبيق القودريدز نهمة، و كأنها تطوّع سير الوقت بين أصابعها بخبرة المتمرس!

تركض أيامي و أنا خلفها أجرّ قدماي بكسل أطالع أرفف التافهين 

و تمرّ هناء بجانبي على صهوة الشمس

 أيامها تلهث ورائها تحاول لحوقها و هي تجاوزها و تضحك في وجه العالم الذي وقف مزمجرًا عاجزًا عن ترويضها

هناء ابنة نفسها و تأسيس الدعوات، أتأملها بانبهار الطفل منذ اكتشفت حسابها

أتقفى أثرها المذّهب، انهمر عليها كعادة اندفاعي و ودّيتي المُربكة، فتحتضن محبّتي أعذب احتضان

تتلاحم طرقنا و أعرفها أكثر، صوتها الثابت كان يأخذني في سوانح فكرية مطوّلة؛ أتأمل:

 كيف لك يا أخيّة هذا الثبات؟ كيف أوغلت جذورك يا حبيبتي و أينع الجذع سامقًا متينًا؟ 

تتساقطين عند كل اشتباك حكمة جنيّة، و يفيضُ النور من بين الأصابع أجرعه كلما قرأتك و تنمو أغصاني و تخترق الفضاء بلطف و فتنة

 و يمرّ السيّاح يتعجبون بنائي و يصفقون، أشير إليكِ بحبّ قذفه الإله في قلبي منذ أن قرأت مراجعتك لرواية خالي العزيز نابليونيفخر و أقول هنا نبعي!

وصلني من مراجعتك للرواية صوت المسلم الجهوري الرافض، صوت المسلم الذي يقف على ناصية الكون و يقيّم كل منتوجاته بعين الناقد بثبات و عزّة!

 تمرّره الحداثة تحت سندان الايدلوجيا فينتفض و يمسكها من عنقها و يخضعها و يوسعها فهمًا و تقييمًا

كنت اتتبع أثرك و يكبر كل مرّة حضورك في حياتي،حتى زاحمتِ حكاياتي بغزارة!

احكيك لوالدايّ و أخوتي، استحث هممهم و أستشهد بك دائمًا و حين قبلتِ إضافة برنامج السناب عرفت الهناء عن قرب 

و فهمت روحكِ الفريدة، خجلك و صمتك و تحفظك و حنوك، و أحببتكِ أكثر!

كان لكِ صدقٌ يسافر عبر المسافات و يصل مباشرة إلى كبد الروح

و بعد وفاتكِ أثمرت تلك الخصلة النادرة في كل شيء!

في قول خصومك، و في سيل الخير المنهمر على مثواكِ من كل بقاع الأرض!

يحلفُ القاصي و الداني أنكِ أعجوبة الختام يا حبيبة!

كان رحيلكِ سلسًا، كأنكِ نجمة مرشدة انطفأت بلا صوت!

و أنا السائرة في صحراء الفتن أتعثر و يكسرني التيه، من للعالم بمثل نسيجك؟

 ذلك العزم الصلب الذي فتّت تحت ثقله كل حصوات الفتور

و حبّ الإله الذي غزى كل خلية من كيانكِ ثم انتثر منكِ كعبق بستان مترامي الأطراف

ساعات الزمان التي امتدت مخالبها تحاول جاهدة أن تعيد ضبط نفسها، فتنكسر أطرافها تحت عزيمتك!

يا ابنة الآخرة، و ذكرى الخلود، قبل الرحيل هل لكِ أن تجيبي سؤالهم العملاق:

ماذا فعلت هناء حتى تنال خاتمتها؟

لأني أنا التي تتبعت رحلتك بشغف المحبّ لم أعلم عن آلاف الحسنات التي أعددتها لسؤالات الحساب

حتى أهل بيتك أذهلهم ما خلّفتِ من طيب الأثر!

لم أعلم عن عدد حلقات التحفيظ التي أشرفتِ عليها، و لا عن الهبات المرسلة إلى المحتاجين

و لا عن سعيكِ الحثيث في رتق صدع الخلاف أين كانت

 و لا عن ابتسامتك البهيجة الصادقة التي استقبلت كل انسان تقاطع دربه معك!

لم أعرف سوى تلك النبرة الواثقة الجموح في:”يا رغد أنا طموحي كبير، كبيييير جدًاحين سألتك عن هدفك الدعوي و المعرفي

و كنت أتابع مراقيكِ بابتسام رضى و فخر، كلي يقين أن القمّة الشاهقة التي صعبت علينا كلنا ستكون لكِ مثل اجتياز البرك الضحلة!

و لكن عاجلتكِ المنيّة يا شطر الفؤاد و طرتِ إلى مراقي الخلود و معارج الرضا

و بقيت أبكيكِ بكل أنانية الأرضي و طفولته

أرجع طرفي إلى السماء مرارًا و أهمس: وحشتيني يا هناء، لمَ لا تبقين ساعة أخرى يا حبيبتي تحدثيني عن الصبر، و العفو، و الإيمان؟ لم لا تحطّين بخفة من علو و إن كان مثواك الآن أشهى و أحلى و تخبريني مرة أخرى: “أصلًا يا رغد هذي الحياة مو هي الحياة الحقيقيةكما كاتبتني ذات سحر؟ 

أنا التي كان يعتصرني قلبي خوفًا عليكِ من أذية غريب لا يفهم حلاوة هذه الروح الطموح المُهداة لدين الله و شرعته فيمزّقها بالرتابة و ضحالة همته، و أدعو بحرقة عند كل موطن إجابة أن يسخر لكِ من لا يسفك لكِ دمعة

 اليوم أنا أعتصر وجعًا كل ما تذكرت ردم التراب على وجهكِ الطاهر الذي ابتل بدموع الرجاء و الخشية و المحبة ألف مرة

 أودّ لو انبش و انتشله من بين التربِ و امسحه و اسمع منه ضحكة عذبة قريبة

و  أخبره بكل جذل أن الكون ضجّ بسيرتكِ يا هناء، قناتكِ التي ارمقها بعين المحبّ المقتدِ تقافزت أرقامها في ظرف يوم!

 و كل إرثك الطيب حُفظ و ذاع كعبق مليون مليون وردة!

و ثمار اعتكافكِ الميمون على كتب العقيدة سقطت في آلاف البيوت و تناولها المسلمون شهيّة حلوة!

أتذكر تلك الصوتية الطويلة التي حكيت لي فيها عن جهدك الكثيف لتحقيق أهدافك الدعوية

تعدّين لي ساعاتك التي تمضي و أنتِ منهمكة معتكفة على خطة قراءة ثقيلة

تنثرين زكاتها بسخاء في قنوات التيليجرام و التويتر و على أسماع كل من أتاكِ حائرًا سائلًا تعذّبه لواعج الشكوك

و ربّما، ربّما استطعت يا حبيبة أن أجيب سؤالهم و لو باستحياء الذي يعلم أنها ليست بإجابة كاملة!

إن الصورة الكاملة أكبر بكثير من تلك الجهود المُظهرة للأعين

هناك شيءٌ في قلبكِ يا حبيبتي لمسناه، و رأيناه و سمعناه مجلجلًا بين الأحرف

ذاك صدقكِ المشهود الذي اقتطع من عمرك الغضّ كل هذا العمر

و أنت الشابة المكمّلة و المنّعمة بكل شيء، في سبيل الدين الذي أخذ عليكِ كل لبّك!

 أشهد الله أنكِ بررتِ بعلمكِ الذي أُعطيتِ و فهمك الذي رزقتِ فكتب قلمكِ دائمًا رأيًا رصينًا واثقًا عدلًا، سخّرته لله و في سبيله

كتبتِ به عشرات المقالات و آلاف التغريدات و قناتك التيليجرام تعجّ بمئات الاقتباسات الثمينة!

 و أعجب، وكلنا نعجب: كيف استوعب عمرك كل هذا السبق؟

 و كأن يومك بأسبوعنا الكسول الفارغ، و اسبوعك بشهورنا المضيّعة!

رحلتِ يا هناء، و بقي محبّوكِ ينثنون على أكبادهم وجعًا من الشوق إليكِ

يرسلون صرخاتهم عبر السماوات يسئلونك كيف السبيل إلى وصلك و ارتقاء السلالم البرزخية إليكِ؟

كيف يبقون أثركِ حيًّا نابضًا يانعًا حتى لا ينضب ينبوع حسناته و يبقى يسقي قبركِ ما حيينا؟ 

و نسمع كلّنا الإجابة، رخيمة واثقة:

 “افلتوا يدكم، افلتوا يدكم من الناس و الدنيا، و اتبعوا أثري؛ تصلوا!”

 


بقلم: رغد الظاهري