هبة الاستقلالية المادية.

1 فبراير، 2021

تأتي كلمة هبة على الألسنة مؤخرًا للتعبير عن اجتياح الشيء، بطريقة قد تكون شمولية، عامة، تأخذ بها الكثير من الناس في طريقها، وكأنها تأخذهم كهبوب الريح بشكل عشوائي غير مخطط له على وجه الدقة، لسرعة الانتشار والتفشي.

هبّة الاستقلالية المادية لدى المرأة اليوم، نموذج عصري، يُبرز حجم الرغبة الفردانية، الاستقلالية، لإثبات الذات بعيدًا عن القيود، والتعقيدات، والنموذج التقليدي في الاعتماد على الرجل في النفقة.

أصبح العمل لأجل العمل ذاته، وتحقيق المنفعة المادية، حتى لو كانت العاملة لديها ما يكفيها في حاضرها، ومن يهتم بتدبير مصاريف معيشتها، وذلك كي لا يكون ذلك الاعتماد بشكل كلي ..

يقول المثل الصينيالرجل الذي يدخر المال، يصبح رجلًا حرا”.

المرأة اليوم تدرك أن للمال قوة، وهذه القوة منحتها الجرأة لدخول قطاعات لم تدخلها من قبل، والجبروت في الدفاع عن اختيارها، مما جعلها في حالة دفاع مستمرة، أو لنقل في حالة الوقوع تحت تأثير السحر المادي، كما يقول باولو كويلوإن للمال فعل السحر، مع المال لا يكون المرء وحيدًا على الإطلاق”.

منحتها الاستقلالية المادية، شيء من التفرد والحضور اللافت، والهيمنة، وهذا الإشباع جعلها في تعطش للمزيد لأن كل زيادة منه تعني اكتساب نقاط أكثر تجعلها تعيش كما تشاء.

إن المال قوة جبارة لا حدود لها قد تنتصر للملأ ضد العدم، والغنى ضد الفقر والحاجة والعوز والحرية ضد الجبر والإلزام والضرورة العمياء، لذلك أصبح المال هو المثل الأعلى لكثير من الأسوياء والمرض على حد سواء، ظنا منهم أن قوة المال قوة مطلقة تجعلهم متمكنين، متفوقين، ناجحين، وقادرين على كل شيء”.

صالح بن علي

هذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، شكلت نفسية جديدة للمرأة، ترجح فيها التمرد على الصورة النمطية في التعامل مع الرجل، وتحاول أن تنمذج الشكل الذي اختارته على كل العلاقات، فكل امرأة ليست مستقلة ماديا ليستفقطقاصرة عن الطموح المهني العالي، بل وذليلة كذلك وخانعة لديهن، ولابد من محاربة هذا النموذج القديم الذي يعرقل فهم الأنا والآخر بالشكل المثالي.

الثقة التي اكتسبتها المرأة خلف العمل والقوة، كانت الوقود لحرب شعواء تؤدي إلى التخلي عن أي علاقة قد تكون مزعجة بالنسبة لها.

وهذا ما ضاعف اليوم نسب الطلاق فإن لم يكن (البحث عن الاستقلالية) العامل الرئيسي فهو من بين العوامل المسيطرة، على كلا الزوجين، وذلك أن المرأة لم تعد كالسابق ستسمح للمشاكل العميقة أو السطحية مدتها الكافية للعبور، إنما ستجتثها من الأساس لأنها ستفضل الراحة والرفاهية، والحرية، على أن تكون سُلّمًا لنجاح أسرة، تستطيع متى ما أرادت التخلي عنها والفوز بسعادتها ولذتها.

الاستقلالية المادية، سبب للتخلص من التبعية للرجل، فصاحب المال، المتصرف فيه، هو صاحب القرار في المنزل، وهي لا ترى نفسها إلا ندا له، وشريكا، فحتى لو تم توفير كامل احتياجاتها، ستطالبه بالمستقبل والذي لن يوفره لها إلا عمل مستقل، تريد الاستظلال به عن السير خلف هذا القائد.

المرأة التي حققت ذاتها في عملها وتفوقت مهنيا تضيف إلى شخصيتها أبعادا جديدة تجعلها ترفض واقع التبعية للرجل، الأمر الذي يجعلها تفضل العزوبية على أن تخضع لإرادة الذكر الذي يستفيد من هذا التصنيف الاجتماعي لقيادة أمر الأسرة”.

عبدالباسط الفقيه

اللهاث خلف الأعمالاليوملا يندرج خلف تطور الإنسان، وارتقائه في سلم الحضارة الإنسانية، بقدر ما هو في معظمه جري مستمر خلف الأهداف المادية، التي عرقلت مسيرة أهدافه الروحية، المتطلعة إلى الآخرة وسعادة الأبدية.

لم يعد الإنسان يفكر في مصير هذا الجشع، من خلال الرغبة بتحقيق نتائج خلف أخرى ليس لها إلا أن تسعده جسديا، وتضمن له الحياة الرغيدة.

أصبح مع الوقت انفصال واضح بين حياة القيم، وحياة المصالح، وضاع الكثير من الناس في دوامات دهست في دربها أطرافا لا علاقة لها.

البيت الذي يُهدم بسبب امرأة ورجل، لا يهدم فوق شخصين وانتهى الأمر، إنما يطول أفرادًا هم في غاية البراءة وقلة الحيلة والفهم لكل ما يدور حولهم عوضا عن العالم الخارجي.

فالمنزل الذي تدوسه المادية حتى تمحقه، هي تدوسه بكل من فيه، تعبر فوق جميع الأفراد، وتشكل من ركامها نفسيات مشوهة جديدة.

إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقةمتفق عليه

لابد أن تكون دفة القيادة لأحد الزوجين، ولابد أن يكون الآخر تابعًا له ووزيرًا، شاء أم أبى، لأنه حينما يأبى لا يكسب من تحدي الفطرة إلا خسارة الأمان والسكينة، وكسب نشوة سعادة موهومة، مصيرها الانمحاق لأساسها المزيف.

المجتمع الإسلامي تعاوني لا فرداني، السعادة تحقيقها مشترك، والتطلعات والهموم والقضايا، يعتمد فيها كل شخص على الآخر وهذا ليس في الأسرة الواحدة فحسب، بل على الأمة كلها، وحينما يتم التعامل بالأنا والصراع مع الغير، لن تهدأ موجات الصراع وستبقى تردداتها تتذبذب فترة ليست بالقصيرة.

الاستقلالية المادية، صراع ضد الفطرة، وحاجة استقواء، وضمانة تحد، وذخيرة كماليات، ورصيد وهم، بمصلحة شخصية أنانية، لاتفكر إلا بأن تكون الحياة بحرية المزاج، لا حقيقة الظروف، وأن تبقى في لهاثها حتى لو حققت لنفسها واد من ذهب، لأن القوة أصبحت لا مشروطة، في زمن الحب فيه مقيد.